حين يصبح المبدأ “قابلاً للطي” مثل سجادة الصلاة

حميد طولست.
كاتب ساخر واقد اجتماعي.

خطاب السيد ماء العنين الذي لم يعد مجرد نقد أو معارضة، وتحول لخطاب تآمري يتم تكراره بإلحاح يكاد يكون هوسيًا.
هناك نوع خاص من الخطاب السياسي لا يمكن فهمه إلا إذا امتلكت مهارة استثنائية في فك الشيفرات، أو على الأقل قدرة عالية على تقبّل التناقض دون أن تُصاب بدوار فكري، إنه خطاب بعض الإسلامويين الذين يستطيعون، بمرونة يحسدون عليها، أن يكونوا ضد الشيء ونقيضه في الوقت نفسه دون أن يروا في ذلك أي مشكلة.
مع أن الذوق السليم – كما يقول المنطق البسيط – يقتضي أن يكون الإنسان منسجماً مع مواقفه، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع سياسية تقوم على نفس الآليات ونفس المنطق، مهما اختلفت الشعارات أو تغيّرت اللافتات، لكن يبدو أن هذا المنطق البسيط يتحول، عند البعض، إلى ترف فكري لا ضرورة له.
خذ مثلاً الموقف من الصهيونية ، خطاب ناري، شعارات ملتهبة، اتهامات بالاستعمار، بالتوسع، بفرض الهوية، بطمس التاريخ ، وكل ذلك مفهوم ومشروع في إطار الدفاع عن المبادئ.
لكن المفاجأة تبدأ عندما نطرح السؤال البسيط: هل ينطبق نفس المعيار على مشاريع أخرى تستعمل نفس الأدوات؟
هنا يبدأ الصمت ، أو يبدأ “الاجتهاد الفقهي” الجديد.
فالقومية العربية، التي تُقدَّم دائماً كمشروع وحدوي نبيل، تحوّلت في بعض سياقاتها التاريخية إلى مشروع توسّع ثقافي وسياسي، لم يتوقف عند حدود الجزيرة العربية، بل امتد نحو شمال إفريقيا، حيث وُجدت مجتمعات أمازيغية ضاربة في التاريخ، لها لغتها وثقافتها وهويتها الخاصة.
لكن الغريب أن نفس الأصوات التي تصرخ ضد “تهويد” القدس، لا ترى أي مشكلة في “تعريب” مجتمعات كاملة ، وكأن فرض الهوية يصبح استعماراً إذا صدر عن الآخر ، ويصبح “وحدة تاريخية” إذا صدر عن الذات.
الأمر يشبه شخصاً يرفض فرض اللغة الفرنسية لأنه “مساس بالهوية”، ثم يفرض لغة أخرى بالقوة، ويصف ذلك بأنه “تحرير ثقافي”.
أما عندما نصل إلى بعض الكيانات السياسية المركّبة تحت شعار “العروبة”، فإن التناقض يصبح أكثر إثارة للدهشة ، فما يُدان باعتباره مشروعاً توسعياً هنا، يُبرَّر هناك باعتباره “قضية تحررية” ، وما يُرفض باعتباره استعماراً في منطقة، يصبح “حقاً تاريخياً” في منطقة أخرى.
باختصار:
المبدأ موجود، لكنه يعمل بنظام “حسب الطلب”.
والأكثر طرافة في المشهد، هو أن بعض الأصوات التي ترفع هذا الخطاب، تتحول فجأة إلى خبراء في كل شيء: في الجغرافيا السياسية،
وفي العلاقات الدولية، وفي الاقتصاد العالمي، وفي علم الاجتماع،
بل وحتى في الطب النفسي أحياناً.
تراها في قاعة القسم صباحاً، وفي المساء تتحول إلى محلل استراتيجي يوزع النصائح على الدول، ويمنح صكوك الأخلاق لهذا، ويسحبها من ذاك.
ثم يأتي الجزء الأكثر إثارة: خطاب ناري داخل المغرب ، وخطاب أكثر “مرونة” خارج المغرب.
لباس محافظ هنا ، وصورة مختلفة هناك، حديث عن المبادئ الثابتة ،ومواقف تتغير حسب الجغرافيا السياسية…
وهنا يبدأ المواطن المغربي في طرح السؤال البسيط: هل نحن أمام موقف مبدئي ، أم أمام “تكتيك انتخابي” بلباس ديني؟
الطريف أن بعض هؤلاء يرفعون راية الأخلاق السياسية، ويصنفون الدول إلى أخلاقية وغير أخلاقية ، لكن عندما تُطرح أسئلة بسيطة حول مواقف حلفائهم من أزمات إنسانية كبرى، أو من صراعات دامية، أو من قضايا تمس مباشرة المواطن المغربي، يصبح الصمت فجأة هو الحكمة ، الصمت نفسه الذي يتحول، عند الآخرين، إلى “تواطؤ”.
لكن المفارقة الأكبر أن المغاربة – كما أثبتت التجارب – ليسوا بتلك السذاجة التي يعتقدها البعض ، فالمغربي قد يصمت ، لكنه يلاحظ ، وقد لا يرد فوراً ، لكنه يفهم ، وقد لا يدخل في الجدل، لكنه “عايق بكلشي”.
وفي النهاية، تبقى الخلاصة بسيطة: المبدأ الحقيقي لا يتغير حسب الموقع الجغرافي ، ولا يتبدل حسب الجمهور ، ولا يُفصَّل حسب المصلحة السياسية ، أما المبدأ الذي يتغير حسب المناسبة ،فذلك ليس مبدأً ، بل هو “خطاب موسمي” ،يُستعمل عند الحاجة ، ويُطوى بعد انتهاء الحملة مثل سجادة صلاة ، تُفرش عند الضرورة ، ثم تُعاد إلى الخزانة حتى إشعار انتخابي آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *