خاطرة: طوبى لمن انتصر على غضبه.

حميد طولست.

ليست كل المعارك تستحق أن نخوضها، وليس كل انتصار يستحق أن ندفع ثمنه من أعصابنا وطمأنينتنا وعلاقاتنا ، فمع التقدم في العمر ونضج التجربة، يدرك الإنسان أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي يُسكت فيها خصمه، بل تلك التي ينتصر فيها على نفسه، فيختار الهدوء بدل الضجيج، والسلام الداخلي بدل الجدل العقيم.
في لحظات الغضب، لا يكون الإنسان دائمًا سيد قراره ، حيث قد تستولي فالعاطفة على زمام النفس، ويغيب صوت العقل مؤقتًا، فيندفع إلى ردات فعل أو مواقف يظنها صائبة، ثم لا يلبث أن يندم عليها عندما تهدأ ثورته وتعود بصيرته إلى صفائها ، وما أكثر ما هدمت لحظة غضب جسورًا بُنيت عبر سنوات طويلة.
لذلك، فإن التمهل ليس ضعفًا، والصمت ليس عجزًا، بل هما من دلائل الحكمة وقوة الشخصية ، فقليل من الصبر قد يجنب الإنسان ندمًا يلازمه طويلًا، ويحفظ له كرامته وعلاقاته وسكينته.
إن الاكتفاء الداخلي هو أسمى صور الحرية؛ فمن امتلأ قلبه بالرضا لم يعد أسيرًا لكل رأي، ولا مستنزفًا في كل خلاف، ولا محتاجًا إلى أن يثبت للناس أنه على حق في كل حين.
وما هذه الكلمات إلا تذكرة لي قبل غيري، بأن أروض نفسي على كظم الغيظ، وأجعل للعقل فسحة قبل أن يتكلم اللسان، امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فطوبى لمن انتصر على غضبه، قبل أن يبحث عن الانتصار على غيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *