حميد طولست كاتب ساخر ونناقد اجتماعي
لماذا يتحوّل رمضان إلى عطلة جماعية
نحن أمة تُجيد العبادة… لكنها لا تُجيد العمل
ليس في الأمر مبالغة، ولا هو تجنٍّ على الذات الجماعية، حين نقول إننا أمة تُحسن أداء الشعائر، لكنها كثيرًا ما تُسيء إدارة الزمن. فالله سبحانه وتعالى، وهو الأعلم بخلقه، جعل للكون إيقاعه، وللإنسان نظامه: نهارًا للعمل وصرف الطاقة، وليلًا للسكون واستعادة العافية.
بدليل قوله سبحانه وتعالى: “وجعلنا الليل لباسًا وجعلنا النهار معاشًا”، وقول:”الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرًا”.
بهذا التوازن البديع بُرمجت الفطرة الإنسانية، وحين يُكسر هذا الإيقاع، لا يختل الجسد وحده، بل تختل معه النفس، والمزاج، والإنتاج.
في رمضان، يحدث هذا الخلل بشكل جماعي ومنظّم. السهر الطويل، المفرط، غير الضروري، يتحوّل من استثناء إلى قاعدة، ومن عادة فردية إلى طقس اجتماعي مقدّس لا يجوز المساس به. ليل رمضاني صاخب، وأسواق مفتوحة إلى السحور، وسهرات تمتد حتى تذوب حدود الليل في الفجر، ثم نتساءل صباحًا عن الصداع، والتعب، وضعف التركيز، وسرعة الغضب، وتراجع الأداء… وكأن الجسد خان صاحبه بلا سبب.
السهر الرمضاني، في شكله الشائع، لا ينعكس فقط على صحة الأفراد، بل يضرب في عمق الحياة العامة. تتأخر المواعيد، تُختصر ساعات العمل، تتكاثر الأعذار، وتدخل الإدارات والمؤسسات في حالة سبات موسمي تُؤجَّل فيها الملفات، وتُرحَّل القرارات، وتُعلَّق المسؤوليات إلى ما بعد العيد.
وفي قلب هذا المشهد، تتقدّم الجملة السحرية: “اللهم إني صائم”، لا بوصفها حالة روحية، بل كذريعة جاهزة لتعليق الواجبات، وتأجيل الالتزامات، وتبرير الفتور.
المفارقة المؤلمة أن الإسلام، الذي نُكثر من الاحتفاء بطقوسه في رمضان، صريح في ربط العبادة بالعمل، والإيمان بالإتقان، حيث نجد في الأثر النبوي: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه”.
لكن هذا البُعد العملي في الدين يُهمَل غالبًا لصالح مظاهر احتفالية واستهلاكية، تحوّل معها رمضان في كثير من مجتمعاتنا إلى شهر ترتفع فيه معدلات الاستهلاك بشكل لافت، دون أن يواكبها أي ارتفاع في الإنتاجية، بل العكس تمامًا ، تتراجع إلى أدنى مستوياتها.
لا أحد يشكّك في نوايا الناس، ولا أحد يدعو إلى الفصل بين الصوم والروحانية ، لكن التمييز ضروري بين ثلاث حالات: الصوم الصادق، حتى إن لم يقترن بعمل صالح، خير من الإفطار بلا عذر، غير أن الحالة المثلى، والأكمل دينيًا وإنسانيًا، هي الجمع بين الصوم وإتقان العمل ، فالصائم الذي يعمل بجدّ هو من يُجسّد معنى العبادة في أوسع معانيها، لأنه يُصلح نفسه ويُفيد مجتمعه في آن واحد.
أمام هذا الواقع، لا يكفي الوعظ الموسمي ولا الخطب المتكررة ، وتبقى المسؤولية مشتركة: مؤسسات عمومية، إعلام، خطابات دينية، ومجتمع مدني، كلهم مطالبون بإعادة الاعتبار لقيمة العمل في رمضان، لا باعتباره عبئًا، بل جزءًا من العبادة نفسها، لأن الإخلاص في العمل في هذا الشهر ليس انتقاصًا من الصوم، بل زيادة في الأجر، وارتقاء في المعنى.
ومع ذلك، يظل السؤال معلّقًا: لماذا نُتقن الكلام أكثر مما نُتقن الفعل؟
لماذا نعرف القيم، ونحفظ النصوص، ونُردّد الحكم، ثم نُفرغها من محتواها في الممارسة؟
ربما لأننا، ببساطة، أمة تجيد العبادة شكلاً، وتُجيد الوعظ قولًا، لكنها لم تحسم بعد معركة تحويل الإيمان إلى سلوك يومي منضبط.
رمضان ليس شهر تعطيل الحياة، بل فرصة لإعادة ترتيبها ، وكل صوم لا ينعكس عملًا، يظل ناقص الأثر، مهما اكتمل الشكل.
رمضان مبارك.