صراع المنح يكشف أعطاب الحكامة داخل مجلس جماعة فاس

لم تعد الواقعة مجرد مشادة عابرة بين نائبين داخل مجلس جماعة فاس، بل تحولت إلى مؤشر دالّ على أزمة أعمق تضرب بنية التسيير المحلي. فالتوتر الذي تفجّر على خلفية تمرير منحة مالية لفائدة جمعية معينة، يطرح أكثر من سؤال حول منطق توزيع الدعم العمومي وحدود الشفافية داخل دواليب القرار.
اللافت في هذا الخلاف ليس قيمته المالية التي فاقت 60 مليون سنتيم فقط، بل السياق الذي جاء فيه. فبدل أن يشكل النقاش حول المنح فرصة لترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط الدعم بالنتائج والنجاعة، انزلق إلى مواجهة شخصية تعكس هشاشة الانسجام داخل الفريق المسير. وهو ما يوحي بأن تدبير هذا الملف ما يزال خاضعا لتوازنات ضيقة، تتجاوز أحيانا المصلحة العامة.
من زاوية أخرى، يكشف هذا الصراع عن خلل بنيوي في تصور العمل الجماعي داخل المجلس. فاتهامات الانتقائية ووجود “جمعيات محظوظة” مقابل أخرى مهمّشة، تعكس غياب معايير واضحة ومعلنة لتوزيع الدعم، وهو ما يفتح الباب أمام التأويلات ويغذي مناخ عدم الثقة، سواء داخل المجلس أو لدى الرأي العام المحلي.
الأمر لا يقف عند حدود هذا الملف، بل يمتد إلى تقييم الأداء العام للمجلس. فعدد من المتتبعين يرون أن تعثر المشاريع وضعف الحصيلة ليسا وليدي الصدفة، بل نتيجة مباشرة لاختلالات في الكفاءة والتنسيق داخل الأغلبية المسيرة. التحالف الذي أفرز هذا المكتب، بحسب هذه القراءة، ركّز على منطق التوازنات السياسية أكثر من اعتماده على الكفاءة والقدرة التدبيرية، وهو ما انعكس على جودة القرارات وتنفيذها على أرض الواقع.
في المقابل، يجد رئيس الجماعة نفسه في وضعية معقدة؛ فهو من جهة واجهة الانتقادات، ومن جهة أخرى يواجه صعوبات داخلية مرتبطة بتباين الرؤى وضعف الانسجام بين نوابه. ورغم تأكيده في أكثر من مناسبة على ضرورة احترام الشفافية وربط المنح بالاستحقاق، إلا أن تنزيل هذه المبادئ يصطدم بواقع سياسي وتنظيمي غير منضبط.
في المحصلة، ما حدث ليس مجرد خلاف ظرفي، بل حلقة ضمن سلسلة من الإشارات التي تؤكد أن إشكالية التدبير داخل جماعة فاس تتطلب مراجعة عميقة، تبدأ بإرساء قواعد واضحة للشفافية والمساءلة، ولا تنتهي عند إعادة ترتيب البيت الداخلي للأغلبية بما يضمن فعالية أكبر في خدمة مصالح الساكنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *