عقلية التسيير… مفتاح نجاح أو فشل الاستراتيجيات في المغرب

بدر شاشا

لا يكفي وضع الاستراتيجيات وإطلاق البرامج الكبرى لتحقيق التنمية، فنجاح أي مشروع أو إصلاح يرتبط قبل كل شيء بعقلية التسيير. فقد تمتلك الدولة أفضل القوانين، وأكبر الميزانيات، وأحدث التقنيات، لكن إذا غابت الحكامة الجيدة، والكفاءة، والمتابعة، والمحاسبة، فإن النتائج قد لا تكون في مستوى التطلعات.

إن التجارب الدولية أثبتت أن الفرق بين الدول الناجحة وغيرها لا يكمن دائمًا في حجم الموارد المالية أو الطبيعية، بل في جودة الإدارة وحسن تدبير الموارد. فالإدارة التي تعتمد التخطيط، وتحديد الأهداف، وقياس الأداء، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، تستطيع تحقيق نتائج كبيرة حتى بإمكانات محدودة.

وفي المغرب، تشهد عدة قطاعات أوراشًا إصلاحية مهمة، من بينها الصحة، والتعليم، والتشغيل، والإدارة العمومية، والاستثمار، والرقمنة، والبنية التحتية. غير أن نجاح هذه الأوراش لا يتوقف على إطلاقها فقط، بل على كيفية تنزيلها ميدانيًا، ومدى قدرة المسؤولين على تدبيرها بكفاءة وفعالية.

ففي قطاع التعليم، قد تُخصص ميزانيات مهمة لبناء المؤسسات وتطوير المناهج، لكن جودة التسيير داخل المنظومة، وتأهيل الموارد البشرية، والمتابعة المستمرة، تبقى عوامل حاسمة في تحسين مستوى التلاميذ.

وفي قطاع الصحة، لا يكفي بناء المستشفيات أو اقتناء المعدات الطبية، بل يجب ضمان حسن التدبير، وتوفير الموارد البشرية، وصيانة التجهيزات، وتحسين جودة الخدمات، وتقريبها من المواطنين.

أما في مجال التشغيل، فإن نجاح السياسات العمومية يرتبط بقدرة المؤسسات على ربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، وتشجيع الاستثمار، وتبسيط المساطر، وخلق بيئة اقتصادية تساعد على إحداث فرص عمل مستدامة.

إن عقلية التسيير الحديثة تقوم على النتائج لا على الإجراءات فقط، وعلى خدمة المواطن، واحترام الوقت، واتخاذ القرار بناءً على المعطيات، وتشجيع الابتكار، والاستماع إلى المقترحات، والتقييم المستمر للأداء.

كما أن المسؤول الناجح ليس من يدير الملفات فقط، بل من يبني فريقًا كفؤًا، ويشجع روح المبادرة، ويتحمل المسؤولية، ويصحح الأخطاء، ويجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

إن مستقبل المغرب لا يرتبط فقط بوضع استراتيجيات جديدة، بل بترسيخ ثقافة التدبير الفعال والحكامة الرشيدة في جميع المؤسسات، لأن عقلية التسيير هي التي تحول الخطط إلى إنجازات، والاستثمارات إلى تنمية، والطموحات إلى واقع يلمسه المواطن.

ولهذا، فإن الاستثمار في الكفاءات الإدارية، وتعزيز ثقافة الأداء والشفافية والمحاسبة، يعد من أهم مفاتيح نجاح الإصلاحات الكبرى، وتحقيق نموذج تنموي قادر على الاستجابة لتطلعات المغاربة، وترسيخ مكانة المملكة كدولة حديثة تقوم على الكفاءة، والفعالية، وحسن التدبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *