عيد الأضحى بين لهيب الأسعار ووجع الجيوب

محمد جمال نخيلة 

مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، تتحول الأسواق الشعبية والفضاءات التجارية بمختلف المدن المغربية إلى خلية نحل لا تهدأ، حيث يشتد الإقبال على اقتناء مستلزمات العيد من ملابس الأطفال والتوابل والفحم والسكاكين وأدوات الشواء، في مشهد يعكس تشبث المغاربة بطقوس العيد مهما كانت الظروف الاجتماعية والاقتصادية قاسية. غير أن ما يميز موسم هذه السنة هو الارتفاع الصاروخي للأسعار بشكل غير مسبوق، الأمر الذي جعل العيد بالنسبة لآلاف الأسر مناسبة للقلق والضغط النفسي أكثر منه لحظة فرح وطمأنينة , .

فأسعار الأضاحي بلغت مستويات وصفت بـ”الخيالية”، بعدما تجاوز ثمن بعض الخرفان سقف القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة، وسط تبريرات مرتبطة بغلاء الأعلاف والجفاف وارتفاع تكاليف التربية والنقل. ورغم ذلك، لا تزال فئات واسعة من المواطنين تتهافت على الأسواق في محاولة للحفاظ على هذا التقليد الديني والاجتماعي، حتى وإن كان الثمن الدخول في دوامة جديدة من الديون والتقسيط والاقتراض . .

وفي قلب هذا المشهد، تعرف أسواق بيع مستلزمات العيد ازدحاماً خانقاً، حيث تتكرر صور الأسر التي تتنقل بين المحلات بحثاً عن الأرخص، بينما يكتفي البعض بشراء الضروريات فقط، بعد أن أصبحت الكماليات رفاهية بعيدة المنال. كما أن تكلفة الذبح بدورها ارتفعت بشكل ملحوظ، إذ تتراوح بين 150 و400 درهم حسب المناطق والخدمات المقدمة، وهو ما يضيف عبئاً جديداً على ميزانية الأسر المنهكة أصلاً , .

ومن الظواهر التي أثارت الكثير من الجدل هذه السنة، انتشار ما بات يعرف بـ”فنادق الخرفان”، وهي فضاءات مخصصة لإيواء الأضاحي إلى غاية يوم العيد مقابل مبالغ مالية تصل إلى 25 درهماً لليلة الواحدة، في صورة تختزل التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي، خصوصاً داخل المدن الكبرى حيث ضاقت الشقق السكنية عن استيعاب الأضاحي، وتحول حتى “مبيت الخروف” إلى خدمة مؤدى عنها

كما أثارت الظاهرة نقاشاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من تعامل معها بروح الفكاهة والسخرية، ومن اعتبرها دليلاً على أن طقوس العيد دخلت مرحلة “الخدمات المؤدى عنها”، في ظل غلاء المعيشة وتغير نمط الحياة داخل المدن المغربية .  . .

لكن الأزمة الحقيقية لا تتوقف عند شراء الأضحية فقط، بل تمتد إلى ما بعد العيد، حين تجد العديد من الأسر نفسها أمام التزامات مالية خانقة، بسبب تراكم الديون ومصاريف الاقتراض وارتفاع تكاليف المعيشة. وهكذا يتحول العيد عند بعض الفئات من مناسبة دينية للتكافل والفرح إلى عبء اقتصادي ثقيل يترك أثره لأسابيع وربما لأشهر طويلة . .

إن ما يعيشه المغاربة اليوم يطرح أسئلة عميقة حول التوازن بين المحافظة على التقاليد الدينية والاجتماعية وبين القدرة الاقتصادية الحقيقية للأسر، كما يكشف حجم الفوارق الاجتماعية المتفاقمة، حيث أصبح “خروف العيد” عند البعض رمزاً للفرح، وعند آخرين عنواناً لمعاناة صامتة يخفيها الحياء الاجتماعي والخوف من نظرة المجتمع . .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *