حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
هذه مقالة ساخرة لاذعة، مستوحاة من مفارقة “النضج الاجتماعي” ، وواقع العلاقات اليومية التي أصبحت أشبه بسوق أسبوعي للخداع والمصالح وتبادل الأقنعة.
حيث كان يقال لنا عندما كنا صغارا: “عاملوا الناس كما تحبون أن تُعامَلوا ، أما اليوم، فقد أصبح يقال : “عاملوا الناس كما لو أنهم يخفون كاميرة سرية، أو خطة بديلة، أو محاميًا احتياطيًا.”
لقد تطورت العلاقات الاجتماعية بشكل مذهل ، وإلى درجة لم يعد معها الحبيب والقريب والصديق ذلك الكائن العاطفي الذي يقف بجانبك وقت الشدة، بل أصبح مشروع مراقب جودة، يتابع أخطاءك أكثر مما تتابعها أنت نفسك ، أما العدو، فقد أصبح موظفًا محترفًا في قسم “إدارة المفاجآت”، يبتسم لك حتى تظن أنه مرشح لجائزة السلام الاجتماعي، ثم يرسلك فجأة إلى قسم الإحباطات الثقيلة.
نحن نعيش عصرًا متقدمًا جدًا في العلاقات الإنسانية؛ عصرًا صار فيه الناس يضعون لك “لايك” على منشورك الحزين، فقط للتأكد من أنك ما زلت تتألم بنجاح.
بخلاف في السابق، كانت الخيانة تحتاج إلى جهد وضمير ميت ، فأصبحت اليوم، يكفي اتصال هاتفي وباقة إنترنت مستقرة.
لقد أصبحت الثقة تشبه الاستثمار في عملة رقمية مجهولة:
الجميع ينصحك بها… ثم يختفون لحظة الانهيار.
أما الصداقة، فقد دخلت هي الأخرى مرحلة “التحديثات الذكية” ، الصديق الحديث لا يسألك: “كيف حالك؟” بل يسألك بطريقة غير مباشرة: “هل ما زلت مفيدًا أم أبحث عن نسخة أحدث منك؟”
حتى العائلة نفسها أصبحت أحيانًا أشبه بمجلس إدارة شركة مفلسة؛
ابتسامات جماعية في الأعياد، ثم اجتماعات سرية لتحليل سبب نجاحك المزعج.
ولأن الإنسان كائن رومانسي بطبعه، فإنه يصر دائمًا على اختراع أوهام جميلة ، فيتخيل أن صديقه وفيٌّ لأنه يحبه، بينما الحقيقة أن الصديق كان فقط يستعمل شبكة الواي فاي الخاصة به.
أما أكبر خطأ اجتماعي، فهو الاستهانة بالخصوم ، فيعتد الكثيرون أن عدوهم غبي فقط لأنه يخطئ في الكلام أو يرتدي ذوقًا سيئًا ، ثم يكتشفون متأخرين أن هذا “الغبي” كان يدير مؤامرة كاملة بينما هم منشغلون بكتابة منشورات عن الطاقة الإيجابية.
المشكلة أن الناس اليوم لا يريدون لك النجاح فعلًا؛ هم فقط يريدونك ناجحًا بالقدر الذي لا يجعلهم يشعرون بالفشل.
لذلك أصبح الإنسان المعاصر مضطرًا لتعلم مهارات جديدة: كيف يبتسم دون أن يثق ، وكيف يصافح دون أن يسلم أسراره، وكيف يقول “أخي” لشخص قد يبيعه في أول موسم تخفيضات اجتماعية.
ورغم كل هذا الخراب العاطفي، ما زال هناك دائمًا ذلك الشخص الطيب ، ذلك الكائن النادر الذي يدخل العلاقات بقلب نظيف، فيخرج منها بخبرة محقق جنائي له قيمة خاصة ، في غابة العلاقات ،التي مهما كثرت فيها الذئاب، لا تستطيع إقناع الأشجار الطيبة بأنها خُلقت لتصبح فؤوسًا ، لأنه ليس من طبع الغابة تغييّر قيمة الأشجار الطيبة، بل تكشف فقط الفرق بين من يمنح الظل ، ومن ينتظر فرصة التسبب في الحرائق..