الجديد بريس
تحولت الأرصفة في عدد كبير من المدن المغربية، وعلى رأسها مدينة القنيطرة، إلى فضاءات محتلة بشكل شبه كامل من طرف عدد من المحلات التجارية والباعة، حيث أصبحت السلع والبضائع والطاولات واللافتات تمتد إلى الرصيف، بل وفي كثير من الأحيان إلى جزء من الشارع، في مشهد يتكرر يومياً ويؤثر بشكل مباشر على حق المواطنين في التنقل الآمن.
المواطن الذي يغادر منزله متوجهاً إلى عمله أو دراسته أو لقضاء أغراضه اليومية يجد نفسه مضطراً إلى مغادرة الرصيف والنزول إلى الطريق المخصص للسيارات، لأن الرصيف الذي أنشئ من أجل المشاة أصبح مستغلاً في عرض الملابس والخضر والفواكه والأجهزة المنزلية ومختلف السلع التجارية. ولم يعد الأمر يقتصر على بعض الحالات المعزولة، بل أصبح ظاهرة منتشرة في العديد من الأحياء والشوارع.
هذه الوضعية تشكل خطراً حقيقياً على الأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والنساء، إذ يصبح الجميع معرضاً لحوادث السير نتيجة اضطرارهم للسير وسط السيارات والدراجات النارية. كما أن السائقين يجدون أنفسهم أمام مشاة يسيرون في الطريق بشكل مفاجئ، مما يزيد من احتمالات وقوع الحوادث.
الأرصفة هي جزء من الملك العمومي، وقد أنشئت بأموال دافعي الضرائب لتوفير فضاء آمن للمشاة، وليس لتتحول إلى امتداد للمحلات التجارية أو مستودعات لعرض البضائع. وعندما يفقد الرصيف وظيفته الأساسية، فإن المدينة تفقد جزءاً مهماً من تنظيمها الحضري واحترامها للقانون.
إن استمرار هذه الظاهرة يطرح تساؤلات عديدة حول دور السلطات المحلية وأجهزة المراقبة والجماعات الترابية في حماية الملك العمومي، فالمطلوب ليس فقط القيام بحملات موسمية، وإنما اعتماد مراقبة دائمة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، لأن احترام الرصيف هو احترام لسلامة المواطن.
كما أن عدداً من التجار يلتزمون بالقانون ويحرصون على عدم احتلال الرصيف، بينما يقوم آخرون بتوسيع نشاطهم خارج حدود محلاتهم، وهو ما يخلق منافسة غير متكافئة ويشجع على الفوضى. لذلك فإن تطبيق القانون بشكل عادل يحمي أيضاً التجار الملتزمين ويضمن تكافؤ الفرص بينهم.
مدينة القنيطرة ليست الوحيدة التي تعاني من هذه الظاهرة، بل إنها موجودة بدرجات متفاوتة في مدن مغربية أخرى، حيث أصبحت بعض الأرصفة غير صالحة للاستعمال إطلاقاً، وتحولت إلى أسواق مفتوحة تعيق حركة المواطنين وتشوه جمالية المدن وتؤثر على جاذبيتها.
الحل لا يقتصر على تحرير الأرصفة فقط، بل يجب أن يواكبه تنظيم الباعة المتجولين عبر تخصيص فضاءات تجارية ملائمة لهم، حتى يتمكنوا من ممارسة نشاطهم في ظروف تحفظ كرامتهم، وفي الوقت نفسه تحافظ على حق المواطنين في استعمال الأرصفة بأمان.
كما أصبح من الضروري اعتماد وسائل رقمية تسمح للمواطنين بالإبلاغ عن احتلال الأرصفة والملك العمومي عبر تطبيق أو منصة إلكترونية، مع تحديد الموقع وإرفاق الصور، حتى تتمكن السلطات من التدخل بسرعة ومعالجة المخالفات بشكل فعال.
إن المدينة الحديثة تقاس بمدى احترامها لحقوق الراجل قبل المركبة، واحترام الرصيف يعد من أبسط مظاهر التحضر والتنظيم. فالرصيف ليس امتيازاً يمنح أو يسحب، بل هو حق قانوني لكل مواطن، وحمايته مسؤولية جماعية تتقاسمها السلطات والجماعات والتجار والمجتمع.
ويبقى الأمل معقوداً على اعتماد سياسة صارمة ومستدامة لتحرير الأرصفة من كل أشكال الاحتلال غير القانوني، حتى يستعيد المواطن حقه الطبيعي في السير بأمان، وتستعيد المدن المغربية نظامها وجمالها وهيبتها، بعيداً عن الفوضى التي أصبحت تهدد سلامة الجميع.