مسرح التكامل 26

محمد خشلة 
قبل الغوص في تفاصيل هذه الورقة، أريد أن أشير إلى أن الرجوع والخوض من جديد في عدد من المفاهيم وركائز نظرية مسرح التكامل، يرجع بالأساس إلى الحرص على الوضوح ورفع كل لبس من شأنه أن يجعل القارئ يدخل في نوع من المتاهات التأويلية. ولأنني كذلك أعتبر هذه الأوراق بمثابة حوار مسرحي مثمر مع جمهور افتراضي يعوض الجمهور الفعلي المفقود. فما كنا نفعله خلال الأشهر الماضية لم يكن مجرد جمع أفكار حول المسرح، بل كان محاولة لاكتشاف المبدأ المنظم الذي يجعل هذه الأفكار تنتمي إلى نظرية واحدة. في هذه الورقة سوف نواصل الحديث عن أساسيات نظرية مسرح التكامل. وإن كانت الركيزة الأساسية تتمثل في مفهوم التمسرح، فلقد تعرضنا بالحديث إلى عديد من الركائز الفرعية والتي ظهرت على شكل مجموعة من أسئلة متفرقة: ـ ما العلاقة بين التكامل الرياضي والتمسرح؟ ـ ما المقصود بالتكامل المعرفي؟ ـ كيف تتطور المكينة المسرحية؟ ـ ما معنى الدورة العصبية للتمسرح؟ ـ لماذا يفشل بعض العروض في تحقيق أثرها؟ ـ ما هو المسرح الذكي؟ وكان يمكن لهذه الأسئلة أن تبقى جزرًا منفصلة. لكن ما تحقق تدريجياً هو أنها بدأت تنتظم حول مركز واحد “التمسرح بوصفه عملية تكامل حيّة”. وبداخله يمكن أن نرتب هذه الركائز الفرعية في شكل نسق واحد: ـ التمسرح بوصفه تكاملاً زمنياً (العلاقة بالتكامل الرياضي). ـ التمسرح بوصفه دورة عصبية / انفعالية ـ التمسرح بوصفه طاقة مركبة ـ التمسرح بوصفه ظاهرة حضارية ـ الدوال القابلة وغير القابلة للتكامل ـ المسرح الذكي باعتباره الأفق التطبيقي لهذا التصور. وعندها لن تبدو هذه المفاهيم كأفكار متفرقة، بل كأعضاء داخل جسد نظري واحد، وهو ما كنا نشير إليه دائماً حين نقول إن العرض المسرحي يشبه كائناً حياً لا يمكن فهمه بتحليل عضو واحد، بل بفهم شبكة العلاقات التي تجعل الحياة ممكنة. وأظن أن أهم ما وصلنا إليه هو الانتقال من السؤال: ما هو المسرح؟ إلى السؤال: كيف يحدث التمسرح؟ لأن نظرية مسرح التكامل لا تبحث عن جوهر ثابت للمسرح، بل عن العملية الحية التي تجعل الحدث المسرحي ممكناً. ولهذا أقترح أن نناقش هذه الركائز الست لا كفصول منفصلة، بل كطبقات متراكبة داخل بنية واحدة.
1 ـ التمسرح بوصفه تكاملاً زمنياً
هذه كانت نقطة الانطلاق. لأن في التصورات التقليدية يُنظر إلى العرض على أنه مجموعة عناصر: نص، حركة، صوت، ضوء … أما في مسرح التكامل فالأثر المسرحي لا ينتج من أي عنصر منفرد. بل ينتج من تراكم عدد هائل من الجزئيات داخل الزمن. وهنا يظهر التشابه العميق مع مفهوم التكامل الرياضي. فكما أن التكامل الرياضي لا يحسب نقطة واحدة بل يجمع عدداً لا نهائياً من التغيرات الدقيقة، فإن التمسرح لا ينتج من لحظة واحدة، بل من تراكم النظرات، الوقفات، النبرات، الصمت، الإيقاع، الانفعالات. ومن هنا تصبح الخشبة فضاءً للتكامل لا للتجميع.
2 ـ التمسرح بوصفه دورة عصبية / انفعالية
بعدما فهمنا كيف يتشكل الأثر عبر الزمن، يظهر سؤال آخر: ما الذي ينتقل فعلاً بين المؤلف والمخرج والممثل والمتفرج؟ ليس النص فقط. وليس المعنى فقط. بل حالة انفعالية كاملة. ومن هنا جاء مفهوم الدورة العصبية للتمسرح حيث يصبح العرض سلسلة من عمليات إعادة إنتاج الانفعال: المؤلف يعيش حالة. المخرج يعيد بنائها. الممثل يجسدها. المتفرج يعيد توليدها داخله. أي أن التمسرح ليس انتقال رسالة، بل انتقال حالة.
3 ـ التمسرح بوصفه طاقة مركبة
لكن الانفعال وحده لا يكفي. فالعرض المسرحي ليس جهازاً عصبياً فقط. إنه يختزن الذاكرة الفردية، الذاكرة الجماعية، الثقافة، التاريخ، الجسد، الخيال، التقنية … ولهذا لا يمكن اختزاله في تفسير نفسي أو سيميولوجي واحد. فالتمسرح هنا طاقة مركبة تتولد من تفاعل مستويات متعددة من الوجود الإنساني.
4 ـ التمسرح بوصفه ظاهرة حضارية
وهنا نخرج من الفرد إلى التاريخ. لأن التمسرح لا يحدث خارج عصره. الإغريق أنتجوا تمسرحهم. الباروك أنتج تمسرحه. الحداثة أنتجت تمسرحها. والحضارة الرقمية بدأت تنتج تمسرحها الخاص. ومن هنا ظهرت فكرة المكينة المسرحية بوصفها جهازاً حضارياً. فكل عصر لا يطور أدواته فقط. بل يطور أيضاً حساسيته الجمالية، طريقة إدراكه للعالم، شكل حضوره فوق الخشبة.
4 ـ الدوال القابلة وغير القابلة للتكامل
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر أفكار النظرية خصوصية. إذا كان التمسرح عملية تكامل، فليس كل شيء قابلاً للتكامل. في الرياضيات توجد دوال قابلة للتكامل، وأخرى غير قابلة للتكامل. وفي المسرح أيضاً. فقد يكون النص جيداً، والممثل جيداً، والإخراج جيداً، ومع ذلك يفشل العرض. لماذا؟ لأن العلاقة بين هذه العناصر لم تبلغ درجة الانسجام الضرورية. أو بتعبير آخر، الطاقة المسرحية انقطعت قبل أن تكتمل. وهنا يصبح الفشل المسرحي فشلاً في التكامل لا فشلاً في عنصر منفرد.
5 ـ المسرح الذكي باعتباره الأفق التطبيقي
بعد كل ما سبق يصبح المسرح الذكي نتيجة منطقية. فإذا كان التمسرح: تكاملاً زمنياً، ودورة عصبية، وطاقة مركبة، وظاهرة حضارية، فإن الحضارة الرقمية تفرض إعادة تنظيم هذه العلاقات. ولهذا لا يكون المسرح الذكي مجرد مسرح مزود بالتكنولوجيا. بل الشكل الجديد للتمسرح داخل الحضارة الرقمية. إنه محاولة لجعل الإنسان، والتقنية، والانفعال، والإدراك، يدخلون في شبكة جديدة من العلاقات.
ما الذي يوحد هذه الركائز الفرعية كلها؟
هنا نصل إلى القلب الفلسفي للنظرية. فالقاسم المشترك ليس النص، ولا الممثل، ولا الجمهور، ولا التكنولوجيا. بل العلاقة. فكل ركيزة من الركائز السابقة هي في جوهرها محاولة لفهم نوع معين من العلاقات:
• العلاقة بين اللحظات داخل الزمن.
• العلاقة بين الانفعالات داخل الأجساد.
• العلاقة بين مستويات الطاقة المختلفة.
• العلاقة بين المسرح والحضارة.
• العلاقة بين عناصر العرض.
• العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.
ولهذا يمكن القول إن نظرية مسرح التكامل ليست نظرية في العناصر المسرحية، بل نظرية في العلاقات التي تجعل التمسرح ممكناً. وهذا يقودنا للحديث عن “التمسرح بوصفه عملية تكامل” ويوضح انتقال النظرية من مستوى الوصف إلى مستوى الرؤية الفلسفية الشاملة.
قبل الخوض في هذه الرؤية الفلسفية، أريد أن أتوقف عند فكرة “التمسرح بوصفه عملية تكامل” لأن الكثير من القراء يخلطون بين التكامل والتجميع ولا يستوعبون أن المسرح، في النهاية، ليس شيئاً نملكه أو نعرّفه مرة واحدة، بل هو حدث حي يولد كل مرة من شبكة العلاقات التي تنشأ بين الإنسان والعالم داخل الزمن. أعتقد أن توضيح هذه النقطة بالغة الأهمية بالنسبة لنظرية مسرح التكامل، لأنه يرفع كل الالتباس بشأنها. لأن القارئ بمجرد أن يسمع كلمة “تكامل” يتخيل مباشرة عملية جمع: نص + ممثل + ديكور + إضاءة = عرض مسرحي … بينما ما نحاول قوله في مسرح التكامل يختلف جذرياً عن ذلك. بل إنني أذهب إلى حد القول إن أكبر سوء فهم يمكن أن تتعرض له نظرية مسرح التكامل هو اختزال التكامل إلى مجرد تجميع.
أولاً ـ الفرق بين التجميع والتكامل
لنفترض أن لدينا خشبة، ممثلين، نصاً جيداً، موسيقى وإضاءة … وإذا وضعنا هذه العناصر جنباً إلى جنب فقد نحصل على تجميع. لكننا لا نحصل بالضرورة على تمسرح. تماماً كما أن وضع قلب ورئتين ودماغ وأعصاب فوق طاولة التشريح لا ينتج إنساناً حياً. العناصر موجودة. لكن الحياة غائبة.
ثانياً ـ لماذا لا يكفي التجميع؟
لأن التجميع يهتم بالعناصر. أما التكامل فيهتم بالعلاقات. وهنا يكمن الفرق الفلسفي كله. ففي التجميع نسأل: ماذا نملك؟ أما في التكامل فنسأل: كيف تؤثر الأشياء في بعضها البعض؟
ثالثاً ـ المثال الرياضي الذي انطلقت منه النظرية
حين نحسب مساحة شكل هندسي بالتكامل الرياضي لا نقوم بجمع مستطيلات جاهزة فقط. بل نحاول فهم كيف تتولد الكمية الكلية من عدد لا نهائي من التغيرات الدقيقة. وهذا بالضبط ما يحدث في التمسرح. فالأثر المسرحي لا ينتج من كلمة واحدة، أو حركة واحدة، أو صورة واحدة… بل من شبكة من العلاقات الدقيقة التي تتراكم داخل الزمن.
رابعاً ـ التمسرح ليس شيئاً بل حدث
وهذه فكرة مركزية. لأننا عندما نتحدث عن النص يمكن أن نشير إليه. عندما نتحدث عن الديكور يمكن أن نصفه. أما التمسرح فلا يمكن الإمساك به بهذه الطريقة. لأنه لا يوجد في عنصر واحد. بل يوجد بين العناصر. مثل الموسيقى. لأن النغمة الواحدة ليست الموسيقى. لكن العلاقة بين النغمات هي التي تنتج الموسيقى.
خامساً ـ أين يوجد التمسرح؟
لا يوجد التمسرح في الممثل وحده، أو النص وحده، أو المتفرج وحده. بل في المجال الذي ينشأ بينهم. ولهذا نقول ونكرر أن التمسرح لا يسكن الأشياء، بل يسكن العلاقات.
سادساً ـ لماذا يشبه العرض المسرحي كائناً حياً؟
لأن الكائن الحي لا يُعرّف بأعضائه. يمكن أن نعرف القلب، الدماغ، الكبد… لكن الحياة نفسها لا توجد داخل أي عضو منفرد. الحياة تظهر عندما تدخل هذه الأعضاء في شبكة من العلاقات. والعرض المسرحي كذلك.
سابعاً ـ هنا يبدأ العمق الفلسفي الحقيقي
معظم النظريات المسرحية كانت تبحث عن مركز ثابت. يتمثل في النص عند البعض. في الممثل عند البعض. في الجسد عند البعض. في العلامة عند البعض الآخر. أما مسرح التكامل فيقترح شيئاً مختلفاً تماما: لا يوجد مركز ثابت. بل توجد شبكة دينامية من العلاقات.
هنا أستسمح ابني وصديقي الدكتور فهد الكغاط لكي أقوم باستعارة مفهوم الكوانتم وتأرجح الإلكترون بين المادة والموجة. ووجود شبكة دينامية من العلاقات بين الموجة والجسيم. لأن هذا يقترب فعلاً من روح مسرح التكامل ولكنه يمكنه أن يثير نوعا من اللبس الذي قد يتبادر إلى ذهن بعض القراء، في تفسير مفهوم (لا يوجد مركز ثابت. بل توجد شبكة دينامية من العلاقات)
أرى أن استحضار الفيزياء الكوانتية داخل نظرية مسرح التكامل ممكن، بل قد يكون مثمراً جداً، ولكن ليس بوصفه تفسيراً علمياً للمسرح، وإنما بوصفه أفقاً تشبيهياً وفلسفياً يساعدنا على التفكير في طبيعة التمسرح ـ وأطلب من الدكتور فهد أن يصوبني إذا أنا زغت عن الصواب ـ فحسب فهمي الضئيل للفيزياء الكوانتية لا يمكن القول، إن “التمسرح يخضع لقوانين ميكانيكا الكم.” لأنه سوف يكون ادعاء علمي لا يمكن البرهنة عليه. ولكن يمكن أن نقول إن بعض التصورات التي جاءت بها الفيزياء الكوانتية تتيح لنا استعارات فكرية جديدة لفهم الطبيعة العلائقية للتمسرح.” وهذا التعبير الحدر يفصل بين الاستعارة الفلسفية الخصبة والاستعارة العلمية المضللة.
ـ ما الذي غيرته الفيزياء الكوانتية؟
في الفيزياء الكلاسيكية كان العالم يُفهم باعتباره أشياء مستقرة، لها مواقع محددة، وصفات محددة. أي أن السؤال كان: ما هو الشيء؟ أما مع الفيزياء الكوانتية بدأ السؤال يتحول إلى: كيف تظهر خصائص الشيء من خلال العلاقات والقياس؟ وهنا حدث الانقلاب الكبير. من أشهر نتائج ميكانيكا الكم أن الإلكترون لا يظهر دائماً جسيماً فقط، ولا موجة فقط. بل يتجلى وفق شروط الرصد والتفاعل. ما يهمنا هنا ليس الجانب الفيزيائي الدقيق. ولكنها الفكرة الفلسفية والتي مفادها أن الشيء لا يمتلك دائماً هوية ثابتة ومستقلة عن شبكة العلاقات التي يوجد داخلها. في كثير من النظريات المسرحية التقليدية يكون النص هو المركز، أو الممثل هو المركز، أو المتفرج هو المركز. أما في مسرح التكامل نقول: لا يوجد مركز ثابت. بل توجد شبكة دينامية من العلاقات. وهنا يمكن أن نستعير هذه الصورة الكوانتية الجميلة. فالشخصية المسرحية مثلاً ليست في النص فقط، ولا عند الممثل فقط. بل تظهر من خلال العلاقة المتغيرة بين النص، والجسد، والفضاء، والجمهور، والزمن. أي أنها ليست جوهراً ثابتاً بل حدثاً متولداً.
في الفيزياء الكوانتية يوجد مفهوم التراكب (Superposition) أي أن النظام قد يحتوي عدة إمكانات قبل أن تتحدد حالة معينة. وأرى أن هذه استعارة خصبة جداً لمفهوم التمسرح. لأن الممثل قبل دخوله الخشبة يحمل ذاته الشخصية، الشخصية الدرامية، ذاكرته، حالته النفسية، وتوقعات الجمهور. وكلها إمكانات متراكبة. وعند لحظة الأداء تتجسد صيغة معينة منها.
ومن الأفكار الشهيرة في التأويلات الكوانتية أن عملية الرصد ليست محايدة تماماً. وهنا نجد تشابهاً مذهلاً مع المسرح. فالمتفرج في مسرح التكامل ليس مستقبلاً سلبياً. بل هو جزء من شبكة إنتاج الحدث. أي أن العرض لا يوجد كاملاً قبل التلقي. بل يتشكل أيضاً من خلال التلقي. وهذه فكرة قريبة جداً مما وصلنا إليه عند حديثنا عن الدورة العصبية للتمسرح.
ومن أجمل الاستعارات من الفيزياء الكوانتية التي يمكنها أن تخدم نظرية مسرح التكامل، مفهوم التشابك (Entanglement). أي أن عناصر مختلفة تصبح مرتبطة بطريقة تجعل فهم أحدها بمعزل عن الآخر أمراً ناقصاً. ألا يشبه هذا ما قلناه عن التمسرح؟ (عدم وجود مركز ثابت). فالمؤلف والمخرج والممثل والمتفرج ليسوا وحدات مستقلة تماماً. بل يدخلون في شبكة من التأثيرات المتبادلة. ولهذا يصبح العرض نظاماً مترابطاً أكثر منه مجموعة أجزاء منفصلة.
ورغم هذه الاستعارات من المسرح الكوانتي إلى مسرح التكامل فإن الاختلاف بين النظريتين يبقى كبير. لأن المسرح الكوانتي يذهب مباشرة إلى استعارة الكوانتم، الطاقة، الاحتمال، التشابك… والتي تبقى غالبا حسب فهمي داخل المجال المجازي. أما مسرح التكامل فله جذر مختلف. لأنه لا ينطلق من الفيزياء طبعا. بل ينطلق من التمسرح، التكامل الرياضي، التكامل المعرفي، تطور المكينة المسرحية، والدورة العصبية للتمسرح. رغم أنه يجد في بعض التصورات الكوانتية صوراً واستعارات تساعده على التعبير عن نفسه.
ولهذا إذا كانت الرؤية الكلاسيكية للمسرح تبحث عن مركز ثابت للحدث المسرحي، فإن مسرح التكامل يقترح رؤية علائقية، يصبح فيها الحدث نتاج شبكة من العلاقات المتغيرة. ومن هذه الزاوية يمكن الاستئناس ببعض التصورات الكوانتية التي تتجاوز فكرة الجوهر الثابت لصالح فهم يقوم على الترابط والاحتمال والتفاعل، دون أن يعني ذلك نقل قوانين الفيزياء إلى المسرح، بل الاستفادة من أفقها الفلسفي في فهم طبيعة التمسرح.
والأهم من كل ذلك أعتقد أن ما يقترب فعلاً من روح مسرح التكامل ليس مفهوم “الإلكترون بين الموجة والجسيم” بل مفهوم أعمق يتمثل في عدم فهم الكل عبر تحليل الأجزاء منفردة. وهذا بالضبط ما كنا نقوله ونكرره منذ البداية. أن النص وحده لا يفسر العرض. والممثل وحده لا يفسر العرض. والتقنية وحدها لا تفسر العرض. بل إن الحدث المسرحي يظهر من العلاقات التي تنشأ بينهم. وهنا يصبح التمسرح أقرب إلى ظاهرة ناشئة (Phénomène émergent ) ، أي ظاهرة لا توجد في أي عنصر منفرد، بل تظهر عندما تتفاعل العناصر داخل نسق حي. وأظن أن هذا المفهوم الأخير (“الانبثاق” أو “الظهور الناشئ”) قد يكون أقرب فلسفياً إلى مسرح التكامل من كثير من الاستعارات الكوانتية الأخرى، لأنه يفسر بدقة كيف يولد الحدث المسرحي من شبكة العلاقات لا من أي عنصر منفرد.
ثامناً ـ التمسرح بوصفه ولادة مستمرة
ومن أهم وأجمل نتائج نظرية مسرح التكامل. أن التمسرح لا يُصنع مرة واحدة. بل إنه يولد باستمرار. وكل لحظة على الخشبة تعيد تشكيل المعنى، الانفعال، الإدراك، التلقي. ولهذا لا يوجد عرضان متطابقان.
تاسعاً ـ لماذا لا يتكرر العرض؟
في النظرة التقليدية قد نقول لأن الممثل تغير. لكن في مسرح التكامل السبب أعمق. لا يتكرر العرض لأن العلاقات تغيرت، الإيقاع تغير، الطاقة تغيرت، الجمهور تغير، السياق تغير. أي أن شبكة التكامل نفسها أعادت تشكيل الحدث.
عاشراً ـ الإنسان والعالم
وهنا يكمن جوهر نظرية مسرح التكامل. حين نقول إن التمسرح عملية تكامل. فنحن لا نتحدث فقط عن المسرح. بل عن علاقة الإنسان بالعالم. فالإنسان نفسه لا يعيش الواقع كعناصر منفصلة. ولكنه يعيش صوراً، ذكريات، أحاسيس، أفكاراً، أجساداً، تقنيات… كلها متداخلة. لكي يصبح المسرح مرآة لهذه العملية.
وبالتالي لا يعني التكامل في مسرح التكامل جمع العناصر المسرحية داخل بنية واحدة، بل يعني نشوء شبكة من العلاقات المتبادلة بينها، بحيث يفقد كل عنصر استقلاله ويصبح جزءاً من عملية حية ومتغيرة. فالتمسرح لا يوجد في النص أو الممثل أو الجمهور، بل في الحركة المستمرة التي تربط بينهم داخل الزمن. ولهذا فإن العرض المسرحي لا يكون موضوعاً ثابتاً يمكن امتلاكه أو تعريفه نهائياً، بل حدثاً حياً يولد في كل مرة من جديد عبر التفاعل المتجدد بين الإنسان والعالم. وهذا يمكننا من استنباط نتيجة أبعد والتي تروم إلى أن مسرح التكامل ليس نظرية في مكونات المسرح، بل نظرية في كيفية ظهور الحياة داخل الحدث المسرحي. وهنا تحديداً يبدأ التمسرح في التحول من مفهوم مسرحي إلى مفهوم أنطولوجي (متعلق بطبيعة الوجود نفسه).
Toutes les réactions :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *