محمد جمال نخيلة
احتضن مجمع الصناعة التقليدية بتازناخت، مبادرة تكوينية نوعية نظّمها مشروع نون بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، في خطوة تعكس التحول المتسارع نحو إدماج التكنولوجيا الحديثة في المسارات التعليمية للشباب، خصوصاً في المناطق التي تزخر بطاقات واعدة تحتاج إلى التأطير والمواكبة.
الدورة، التي أطرها كل من المكونين حمزة بوكزول ورضى بوكزول، جاءت تحت عنوان “الدراسة بفعالية باستخدام الذكاء الاصطناعي”، وشكلت محطة تعليمية متقدمة هدفت إلى تمكين المشاركين من أدوات وتقنيات حديثة تتيح لهم تحسين مردودهم الدراسي، والانتقال من أساليب التعلم التقليدية إلى مقاربات أكثر ذكاء وفعالية.
وقد عرفت هذه المبادرة إقبالاً لافتاً من طرف تلاميذ وشباب مدينة تازناخت، حيث امتلأت قاعة التكوين بحضور متعطش لاكتساب مهارات جديدة، في مشهد يعكس الوعي المتزايد بأهمية التحول الرقمي في بناء المستقبل الأكاديمي والمهني. ولم يكن الحضور كمياً فقط، بل تميز أيضاً بتفاعل نوعي، إذ أبدى المشاركون اهتماماً كبيراً بمضامين الدورة، وطرحوا أسئلة عميقة تعكس رغبتهم في الفهم والتطوير.

مقاربة متكاملة بين العلم والتطبيق :
تميزت الدورة التكوينية بمنهجية تجمع بين التأصيل النظري والتطبيق العملي، حيث انطلقت بتفكيك آليات التعلم لدى الإنسان، مع التركيز على كيفية اشتغال الدماغ، والعوامل التي تساعد على تقوية الذاكرة وتسريع الفهم. هذا المدخل العلمي لم يكن معزولاً، بل تم ربطه مباشرة بتقنيات حديثة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مما أتاح للمشاركين رؤية شمولية لكيفية تطوير قدراتهم الذاتية.
كما شكل اختبار تحديد أنماط التعلم (VARK) لحظة محورية داخل الورشة، إذ مكن المشاركين من اكتشاف أساليبهم الشخصية في التعلم، سواء كانت بصرية أو سمعية أو قرائية/كتابية أو حركية، وهو ما ساعدهم على فهم ذواتهم بشكل أفضل، وبالتالي اختيار الأدوات الرقمية الأنسب لهم.
وفي سياق الانفتاح على الثورة الرقمية، قدم المؤطران مدخلاً مبسطاً لعالم الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على مفهوم “هندسة الأوامر” (Prompt Engineering)، باعتبارها مهارة أساسية في التعامل مع الأنظمة الذكية. كما تم التطرق إلى كيفية تصميم “وكيل ذكي شخصي” قادر على مرافقة المتعلم في مساره الدراسي، عبر تقديم المساعدة في الفهم، التلخيص، وتنظيم الوقت.

من المعرفة إلى الممارسة :
ولم تقتصر الدورة على الجانب النظري، بل اختُتمت بسلسلة من الورشات التطبيقية التي مكنت المشاركين من اختبار الأدوات الرقمية بشكل مباشر، وتحويل المعارف المكتسبة إلى مهارات عملية قابلة للتوظيف في حياتهم الدراسية اليومية. هذا التوجه العملي ساهم في ترسيخ المفاهيم، ومنح المشاركين ثقة أكبر في استخدام التكنولوجيا بشكل فعال.
رهان على المستقبل وتكريس لثقافة الابتكار :
إن النجاح الكبير الذي حققته هذه الدورة لا يُقاس فقط بعدد الحضور أو جودة التنظيم، بل بما خلفته من أثر إيجابي لدى المشاركين، الذين عبروا عن رغبتهم في مواصلة التعلم والانخراط في مبادرات مماثلة. وهو ما يؤكد أن مثل هذه المشاريع قادرة على إحداث تحول حقيقي في علاقة الشباب بالمعرفة.
وفي هذا الإطار، يواصل “مشروع نون” ترسيخ حضوره كمبادرة طموحة تسعى إلى تقليص الفجوة الرقمية، وتمكين الشباب المغربي من أدوات العصر، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز الرأسمال البشري.

شراكات محلية لإنجاح المبادرات الشبابية :
وقد كان لهذا النجاح أن يتحقق لولا تضافر جهود عدة فاعلين محليين، حيث تم توجيه شكر خاص إلى السلطات المحلية بمدينة تازناخت، وعلى رأسها باشا المدينة، نظير دعمه المتواصل للمبادرات الشبابية. كما تم التنويه بالدور الكبير الذي قام به محمد توفيق، من خلال توفير فضاء ملائم واحتضان النشاط في ظروف متميزة.
كما يبقى الحضور القوي والمشاركة الفعالة للشباب حجر الزاوية في نجاح هذه التظاهرة، إذ أبانوا عن وعي كبير بأهمية التعلم المستمر، واستعدادهم لخوض غمار التحول الرقمي بثقة وطموح.
خلاصة :
ما شهدته تازناخت ليس مجرد دورة تكوينية عابرة، بل خطوة ضمن مسار طويل نحو بناء جيل رقمي واعٍ، قادر على استثمار إمكانيات الذكاء الاصطناعي في تطوير ذاته ومجتمعه. وبين فضاءات الصناعة التقليدية وروح الابتكار، تتشكل ملامح مستقبل جديد يقوده شباب مسلح بالمعرفة والتكنولوجيا.