إنجاز: د الغزيوي ابو علي
إن الإنسان فطر على حركية جدلية بين التحليل والتركيب حيث اتخذ التحليل كصفة تفسيرية في اللحظة الأولى، لكن سرعان ما بعد السؤال الإنساني، والأسطوري والرمزي ينكشف على الساحة، فالرواية هي فعالية تحليلية لأسرار الكون، والإنسان، وهذا لا يتأتى إلا بواسطة المنهج الذي هو الطريق الواضح البين، كما يقول صاحب تاج العروس – الزبيدي ص251 – وهو أيضا جملة من القواعد المرتبطة بالبيانات والاستمارات، والمعاينات، والملاحظات، والشروط، والظروف…، فهي قواعد كلية استنبطت من جزئياتها كما يقول طارق عبد الحليم في مجلة البيان اللندنية – 1991 – ص109، لأن الحديث عن المنهج في الرواية هو الحديث عن نظرية تنتمي في درسنا بنظرية الأدب أو الشعرية، فهي التي تدرس مبادئ الأدب وصناعته ومعاييره، كما يقول رينيه ويليك في كتابه “نظرية الأدب” ترجمة محمد عصفور ط1 – 1987، فالرواية عن عبد الإله قيدي هي رؤيا وجودية تربط بين الذات والواقع، إذن ما هي شروط فعل القراءة الإبداعية عند قيدي؟، إن ظهور سوسيولوجيا القراءة لأول مرة من طرف الأمريكي دوكلاس والياس نظرا للانحراف الأخلاقي، والاجتماعي الذي عمل على تشجيع القراءة، باعتبارها عملية ثنائية سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي1، وقد عملت المناهج الموظفة في اطروحته على رفض انغلاق النصوص، سواء على المستوى الماهوي، أو الدلالي، أو التاريخي، وقد أكد السوسيولوجي أن القراءة لا يمكن فصلها عن متغيرات الواقع2، فالنص عند قيدي لا يمكن اعتباره نصا مغلقا على ذاته، بل هو نتاج اجتماعي حقيقي، وتناصي، لكن البناء الاجتماعي المفبرك والمصطنع لا يستطيع أن يؤسس لنفسه فكرا أو ثقافة بعيدة عن الواقع، وهذا ما نراه في كتاباته وما شاهدته في متونه المسرودة، فهذا التصور الإيديولوجي لا يستطيع أي قارئ أو متعلم التخلص من سياقه، ونسقه الاجتماعي لأنه يفترض قوالب وصيغ مشتركة3.
هكذا نجد أن هذه الأطروحة عنده هي تأسيس نظمي للقيم، واستراتيجية توجه القراء وتحدد لهم مراجعهم الخاصة، وتمنح له افتراضات مسبقة4، ولهذا عملت السوسيولوجيا باستخلاص المناصات وأيضا بعض المفاهيم من الدراسات الأدبية، من أجل فتح باب الرواية لبعض الدارسين، ككولدمان، ولوكاتش وايزر، وبيير زيما، وانكارن، ووديريدا غدامير، وتودوروف وغيرهم، ومن بين هذه المفاهيم – رؤيا العالم – الوعي الواقعي – الصراع الإيديولوجيا – الوعي – الممكن، الفهم – الشرح – المادية – الجدلية – التفسير – التأويل – كلها مفاهيم وظفها عبد الإله قيدي لتنتمي إلى حقول معرفية وإنسانية وخيالية ورمزية متنوعة لتعيد للقراءة دلالتها في تأويلته من أجل مواجهة التصورات الذاتية المبثوثة في سجل الرواية، وكذا تفكيك شفراتها ومعاييرها، فالقراءة هي مراجعة ثانية للسائد الموجود في كتابته لبناء رؤية جمالية سواء على المستوى التلقي، أو التأويل المقروء، من هنا يظهر لنا عزوف العرب عن القراءة نظرا لعدة عوامل منها بيئية، وأسرية واجتماعية، وسياسية، وايكولوجية، فهذه العوامل جعلت الفاعل لا يرتبط بالاستراتيجية التأويلية، ولا النقدية بل يبقى أسير النمطية التاريخية كما يرى فيرنيي والتي تعمل على تسييج خياله، وإبداعه5، إذن لابد من الرغبة في القراءة لتقويض الجنس الأدبي السالب والفكر المغلق أو الأرتودوكسي كما حدده محمد اركون في كتابه “الأصول” أو الفكر الإسلامي لأن لاقراءة هي تحول فكري وصيرورة نقدية وتاريخية وإبداعية، لا تقوم على الاختزال كما يرى قيدي بل تمتد إلى المرجعية كجهاز تأملي، إبداعي وتفكيكي يعاد للذات القارئة فكرها، وتعددها الإبداعي، فالروائي حسب عبد الإله قيدي يهدف إلى تأسيس الكوجيطو العربي “أنا عربي أنا قارئ فاعل” هو منطق، وخطاب وولادة وخلق إنتاجي لا يختزل الذوات ولا يشطرها، بل أن يفكر العربي بفكر متعدد التأويلات والتفكيكات للمتون الروائية من أجل إقامة تعارض بين المغلق والمفتوح والمستهلك أو المنتج، والتفسير والتأويل، كل هذا من أجل إقحام الواقع في سياق ثقافي عام ندعوه بالقراءة العربية تارة، وبالثقافة القارية المعاصرة تارة أخرى، وفي هذا المناخ المتعدد المشارب، نضع الخطاب عند قيدي موضع التساؤل لماذا لا نقرأ؟ ولماذا لا نبدع؟ فالسؤال يستدعي معالجة أكاديمية وعالمية صرفة، تفترض فيضا معرفيا لا يقول شيئا عن الواقع وتلك المعاينة، لأن قيدي يرى هذا الخطاب يتأثر في المقام الأول بالخيال الرمزي كصنف تأمل نقدي، من حيث أنه يسعى إلى كشف حساب التأخر الإبداعي العربي لا من باب التراكم المدرسي، بل من حيث هو مقاييس نمو الوعي القرائي النقدي المغربي والعربي الذي من بين أهم إشعاعه القراءة للجميع وبالتالي القدرة على المنافسة الإبداعية، فالناقد عبد الإله قيدي لا يعيد القراءة التلقينية، بل يدعو إلى القراءة التفكيكية كاستراتيجية بنائية من أجل الرصد المنهجي كما ذكر، لأنه يندرج بشكل ما في ذلك الخطاب النقدي المضاعف حيث لا يسعنا فيه إلا أن نبدي رأينا حول القراءة بكل اختلالاتها الوظيفية، فهو مفهوم متعدد، يتوافق ويتكامل نسقه مع المتلقي، ولعل هذا ما يبقي عبد الإله قيدي كناقد في هذا العالم لكي يقاوم النسيان، كل هذا يدفعه إلى الارتباط بالتاريخ والالتزام الاجتماعي والانخراط في المعاصرة، وفي أجواء العولمة، فبدون القراءة لا تكتمل الشخصية الإنسانية، فهي الإشعاع والنور والانخراط في الوجود، ونسيج لنموه وحوار لفهم، وإقامة لوجوده، ونزوع نحو المشاركة في بناء قيم وطموحات تأويلية جديدة، فالقراءة عنده هي وعي وجودي، وخلخلة للمألوف، وكسر للمقدس، وتمرد على كل ثقافة تقوم على المشابهة والمماثلة، فالمبدع والناقد قيدي يحاول أن يربط بين الفكر والواقع دون مهادنة من أجل امتلاك النص الهارب، وتشظي لهذه الذوات، ووعي وجودي يمثل الهوية والماهية الانطولوجية، بحيث يمكن للذات القيدية أن لا تقف عند لغة الانتحال، ولا السرقة كما نرى وكما يدعي “كاظم جهاد” إنه لا يعكس الغرب إلا من خلال الفهم الذي يمارس عليه وفيه، واكتشاف وتوصيل إلى كينونة الآخر، وذات المؤولة هي التي تبني لنا – لعبة القراءة – وتركبه من خلال المؤجل، والأصل كما يقول جاك ديريدا، يسعى قيدي في كتاباته وفي نقده إلى العثور على شيء لا يسكن البياض ولا التراث واقعيا، ومكتشفا النقد في الحداثة العربية بوازع فكري ونقدي تنويري، قبل أن يكون وحدة متناهية في الجمل الشعرية القديمة، يريد قيدي أن يؤسس لهذه القراءة من خلال النصف الآخر، ليس بالمفهوم الإقصاد أو التسلط كما يقول بيير بورديو في كتابه “أسئلة في علم الاجتماع”، فعبد الإله قيدي يتميز بالتعارض دون إلغاء المرجعية الذاتية، خالقا صراعات داخلية في الحقل المعرفي القرائي حسب مفهوم بورديو، يحول الأشياء ذاتها لترى نفسها في التعدد، وفي علاقتها بالقوى الإنتاجية لا المعنى فقط، لأن كل حقل قرائي هو لعب يمثل الرهانات الموجبة والغير المنغلقة، ولا يؤمن بالتفاعلات والتداخلات المتناهية، بل بالصراع والمؤجل من أجل تحقيق الإنجازات الخارجية (الدين – الثقافة) والداخلية (الجمالية – اللغة)، كلها تتداخل في الحقل الثقافي المنفتح، إذن كيف يحمي عبد الإله قيدي حقيقته ووجوده المعرفي؟ سؤال يشرعن مقاييسه ليكون النواة الجوهرية في التطور المجتمع العربي، دون السقوط في الماكيافيلية والسبينوزية، يمدنا بفلسفة المصدر والماهية ومهمة التاريخ، وعلم الاجتماع وعلم النفس السياسي لمواجهة التراث والسلطة والثقافة، والإبداع…، كلها مفاهيم تميز بين ما هو عضوي وما هو تقليدي، تميز ينبغي الاستماع إليه كضمير نقدي، يعيد المثالية المطلقة، بمفهوم هيجل إلى وجه المعالجة الإكلينيكية من أجل فهم الشروخ السردية والوصفية والثغرات التي أصابت الرواية العربية، وهذا التوجه يستوجب منه جرأة وحسا تفاعليا دون نزوع سينيكي (كلي)، وهذا الإحساس خلق له أعداء (حراس الجهل المقدس) داخل الساحة الروائية والقصصية والثقافية، إنه فضل يشخص المفاهيم بالبرهان وبالمنطق الروسلي، والفوكوي، والشومسكوي والديريدي، ويحاور الكلام المرتبط بالحضور (الهوية – والوحدة والبداهة)، ويخالف المعهود والكلاسيكي والسائد بالكتابة والقراءة وبالتعدد كما يقول عبد الله ابراهيم (في معرفة الآخر) ص13، فهذا اللاتطابق يؤسس للذات المبدعة لكي يختفي المتناهي فيها ويكون كسؤال غير ثابت، باختفاء القارئ المنمط، والذي لا يملك خاصية البقاء كما يقول جاك ديريدا في كتابه “الكتابة والاختلاف” ص36، فالكتابة عند عبد الإله قيدي هي اختيار منهجي، يتفاعل فيه قوانين التحول الخاص به ولنا، فهو تصور ثلاثي الأبعاد، الكلية والتنظيم الذاتي، والاختلاف، فهذا الثالوث هو عبارة عن منظومة متكاملة من المعارف والقيم الجديدة التي هي سر بقاء “الهامش” على مر تاريخ الحضاري مؤثرا وفاعلا في صرح المركز وحفظه من التلاشي، والتخلف، فخلف أي عمل إبداعي كما يقول جورج سانتيانا في كتابه “الإحساس بالجمال” يتم التعبير عن هذه الكتابة بأسلوب واعي ليعيد تشكيل الذات المنكتبة فوق البياض، وهذا التناص كما يرى قيدي هو امتصاص (كريستيفا) لقراءات تعمل على تحول المقروء إلى المدون، وأدونيس قد بدأ بتشريح الثقافة الأدبية والصوفية، والفلسفية الدينية باعتبارها مركبة من استجابات دالة، تفسر بنياتها الفرعية والأصلية، فالناقد قيدي يدعو دوما إلى مناقشة النص من الداخل لتقريبه من الخارج، فإن النثر الفني الروائي في عصر قيدي تنوعت موضوعاته بحيث أصبحت واسعة الأفق، وأصبحت جل اهتماماتها تنصب حول مشكلات الحياة، وما يهم الشعوب من نهضة ويقظة، تمثلت في دفاعها على الشعوب المظلومة، وأصبح يندد بمحاربة المستعمر، كما أنه تثير الحمية الوطنية في نفوس الشعوب المبددة المستدلة، مع دعوتها إلى الأخذ بنظام الشورى في الحكم، وإصلاحها المفاسد الاجتماعية.
كما تنوعت خصائص هذا النثر الفني في عصرنا، لأنه في هذه الفترة تميز بعدة خصائص وهي على الشكل التالي:
- سلامة العبارة وسهولتها مع المحافظة على سلامة اللغة وخلوها من الوهن والضعف.
- تجنب الألفاظ المهجورة والعبارات المسجوعة إلا ما يأتي عفوا ولا يثقل على السمع.
- تقصير العبارة وتجريدها من التنميق والحشو حتى يكون النثر على قدر المعنى ترتيب الموضوع ترتيبا منطقيا في حلقات متناسقة، وتقسيم المواضيع إلى فصول وأبواب وفقرات بحيث لا يضيع القارئ ويفهم تناسق الأجزاء ويتبع تسلسلها بسهولة6.
أما أغراض الرواية في هذا العصر فهي انقسمت إلى: نثر اجتماعي، ونثر سياسي أو صحافي.
1- فالنثر الاجتماعي الذي يتطلب صحة العبارة، والبعد عن الزخرف والزينة ووضوح الجمل، وترك المبالغات، وسلامة الحجج وإجرائها على حكم المنطق الصحيح، لأن الغرض منه معالجة الأمر الواقع، فلا ينبغي استعمال الأنيسة الشعرية، ولا الخيال المجنح.
2- أما السياسي فهو يمتاز بالسهولة والوضوح بحيث يكون معناه في ظاهر لفظه، لأن الصحف تخاطب الجماهير، ويقرأها الخاصة والعامة.
3- الجنس الروائي وهو أشد أنواع النثر حاجة إلى تخير اللفظ، والتأنق في النظم، حتى يخرج الكلام مشرقا منيرا، لطيف الموقع في النفوس، حلو النبرة في الآذان، لأن للموسيقى اللفظية أثرا كبيرا في الأذهان، وهو أدنى أنواع النثر إلى الشعر7، من هنا يرى عبد الإله قيدي أنه يمكن أن نطلق على الأدب العربي في القرن التاسع عشر عصر الإتباع الكلاسيكي، إلا أن الإتباعية فيه كانت ذات ثلاثة مستويات معرفية: الأول: يعتمد في نثره على الأساليب الراقية الفنية في العصور العربية الزاهية، والثاني: كان امتداد لعصور الانحطاط التي بدأت قبل سقوط بغداد فيما يخص التطور النثري فاكتسب طابعها، إغراق في المحسنات البديعية، والثالث: مازج بينهما فكان في نثره يجمع بين كلا الطابعين الأدبيين8.
ومن هنا تبين لي أن نشأة النثر الروائي في هذا العصر كان غامض بعض الشيء بسبب الجهل وضياع النصوص، حيث كان حظه من الحفظ أقل من الشعر، أما بانتقالنا إلى العصر المعولم فتطورت ملامح النثر أكثر من الشعر، بحيث لعب القن الدور الأبرز في تغير معاني النثر وأغراضه، وكانت الكتابة ضرورة علمية وحاجة ملحة لا غنى عنها في الحركة العلمية التي ازدهرت في العصر وتعاظمت في أواخره، مما أدى إلى توسع مجال انتشار الخط والكتابة توسعا هائلا وعظيما نظرا لإقبال وتهاتف الناس على طلبه، وفي عصرنا خطا الجنس الروائي خطوة واسعة، بحيث زادت موضوعاته وأغراضه في التطور، بل إن معانيه قد اتسعت وأفكاره قد عمقت، وأخليته قد شحذت، لأن مقومات الحياة الاجتماعية والثقافية قد تغيرت، وخرج النثر من عصر الانحطاط الذي عاشه وبدأت الأساليب تتحرر في بعض جوانبها من قيود التصنع اللفظي، بفضل الدور الكبير الذي لعبه كل من الصحافة والطباعة، وصناعة الإنسان، فالروائي والناقد عبد الإله قيدي لا يقف عند عتبة النص، بل يتجاوزها لمعرفة من يتحدث وكيف كتبت هذه الرواية؟ وما صنفها وجنسها؟ وما هي الرؤية المرجعية المتحكمة في هذا الجنسي النثري الأدبي؟، فالرواية في الحاضر الحالي قد تطورت بشكل محسوس مثل الفنون التعبيرية والتشكيلية الداخلية في التركيب والبناء، فأخذت الموسيقى والرقص مكانهما التعبيري العلمي في المسرح بعد أن كان دورهما قاصرا على مجرد الربط والترفيه، وانتقلت من وظيفة التحديد المكاني والزماني إلى ممارسة الوظائف الحضرية المخصصة لكل من الفنون في الصورة، فأصبح كل منها في ذاته معادلا موضوعيا للكلمة وفرضت فمون الشعب نفسها في العرض المسرحي في الميدانيين التعبيري والتشكيلي ونجد “أرتو” يقول بهذا الشأن إن الكلمة لن تتحكم في خشبة المسرح بعد الآن لكنها ستكون حاضرة عليها وستشغل مكانا محددا عليها وستكون لها وظيفة محددة داخل مجموعة من العناصر الفنية “المسرح وقرينه” ص26، وهكذا يتبين أن فن الرواية كغيره من الفنون يعتبر فعلا تواصليا لأنه ممارسة ذات دلالة وهذه خاصيته ووظيفته الأساسية، فهي البناء الذي يتكون من ترابط العلاقات الإنسانية بين شخوصها ومشاهدها، الذي هي أقوى تبينا في علاقتها وارتباطها بجمهور المشاهدين لأن الجمهور هو كل شيء في القراءة والتخيل والتوظيف الدرامي، ويقول رولان بارت “العرض المسرحي فعلا سيمانتيكي مركز إلى أقسى حد يستخدم كأداة للتواصل دلالاته تفضي بطريقة تكاد تكون منتظمة دائما إلى بعد المضامين لذا كان المسرح فن الشفرة” Code وقيدي في اضطلاعه على أكثر من الفنون الأخرى واعتماده على الشفرة هي إحدى معطياته الأساسية في البناء النقدي وتقول اوبرسفيلد ردا على ج منونان “إن عدم قدرة الجمهور على الإجابة مستعملا نفس السنن الذي استعمله المسرحيون لا يعني وقوع الاستجابة للمثير فقط”، ولا يعني ما يقوله هومان أي عدم وجود التواصل المسرحي لأن وقوع المخاطبة والجواب ذهابا وإيابا بنفس السنن ليس شرطا مطلقا للتواصل، وتضيف أن النص المسرحي، إن لم تكن لغته الخاصة إنه قابل مثل بقية الإنتاجات اللسانية التحليل واعتمادا على القواعد اللسانية.
نظام التواصل بحكم توفره على مرسل، ومستقبل، وتضيف في نفس الشأن لتقول إن الرواية المسرحية فعلا تواصليا بكل ما في هذه الكلمة من معنى يحمل إرساليات فنية، إلا أن الإشارات ليست إشارة بمعناها العادي المتداول، بل إنها تقوم بدور المثير الذي يولد استجابات متعددة لا تتوقف عند الإدراك والفهم بل إنها تتجاوزها إلى توليد ردود فعل وجدانية ومادية.
فالكتابة عنده هي الواسط بين الذات والمجتمع، وسيرورة وجودية التي تتجاوز المألوف لتؤسس لنا الممكن، لأن معنى الوجود يكمن في كونه قابل للتساؤل على الدوام لأن أصالته تكمن في وضع الأسئلة وإثارة المشاكل، لا في الإجابة عنها والتماس الحلول لها، إنه يسعى إلى استثارة القارئ بالسؤال وجعله يكابد الدهشة والفلسفة وليدة الدهشة كما قال ارسطو وأفلاطون من قبل أن تكون قادرا على طرح السؤال معناه، كما يقول هيدجر في “مدخل الميتافيزيقيا” أن تكون قادرا على الانتظار ولو طال العمر كله، وأن العصر الذي لا يعد شيئا حقيقيا إلا يمكن القبض عليه بكلتا اليدين مثل هذا العصر يعتقد أن طرح الأسئلة شيء غريب عن الحقيقة الواقعية.
المراجع:
1– جاك لينهارت: مدخل لسوسيولوجيا القراءة ص148.
2– المرجع نفسه ص149.
3– جاك دوبو “سوسيولوجيا النصوص الأدبية” ص152.
4– أحمد المديني: حوار مع جاك لينهارت حول محاور الأدب – الثقافة – التلقي، مجلت الفكر العربي المعاصر ع13 ص345.
5– France Fernier : L’écriture et les textes ed sociales, Paris – 1947 p48.
6– الأدب العربي من الانحدار إلى الازدهار، جودي الركابي ص327 – 328.
7– في الأدب الحديث، عمر الدسوقي دار الفكر القاهرة ص1973م.
8– المقدمة في النثر العربي، علي حب الله دار الهادي بيروت ط1 2001 ص225 – 226