من وحي العيد موسم الهجرة إلى “الكرشة”

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

انتهى العيد ، لا ، ليس عيد الأضحى كما نعرفه في كتب التربية الإسلامية، بل “مونديال الذبيحة” الذي تتحول فيه البلاد إلى سيرك اقتصادي كبير، يتواجه فيه المواطن البسيط مع “لفراقشية” و”الشناقة” في مباراة غير متكافئة ، حكمها من السينغال، و”الفار” معطل، والنتيجة محسومة سلفاً ، والخاسر الوحيد دائماً هو المواطن.
عاد “لفراقشية” إلى قواعدهم الخلفية سالمين غانمين، بعد أن نجحوا مرة أخرى في تحقيق معجزة اقتصادية لم يستطع صندوق النقد الدولي نفسه فهمها : شراء خروف بـ1500 درهم وبيعه للمواطن بثمن سيارة مستعملة!
أما “الشناقة”، فقد غادروا الأسواق بابتسامة المنتصر في معركة تاريخية، بعدما تحولت أسواق المواشي إلى نسخة مغربية من “وول ستريت”، لكن برائحة الغنم والروث بدل العطور الفرنسية.
ووحده المواطن عاد إلى بيته وهو يراجع شريط المأساته : اقترض من البنك ، باع هاتف زوجته ، أجّل أداء واجب الكراء ، وربما رهن كليته اليمنى، فقط ليشتري خروفاً سيأكله في يومين، ويؤدي ثمنه خلال سنة كاملة.
العجيب أن المواطن لم يعد يخاف من يوم القيامة بقدر ما يخاف من اقتراب العيد الكبير ، فبمجرد ظهور أول إعلان عن “الحولي البلدي”، ترتفع دقات القلب، ويبدأ المغاربة في البحث عن: قروض الأضحية، وعن دعم نفسي مجاني، وعن طبيب مختص في الصدمات الاقتصادية.
لقد نجح البعض في تحويل “السنة المؤكدة” إلى “كارثة مؤكدة”.
لم يعد العيد مناسبة دينية بقدر ما صار موسماً وطنياً لنهب الجيوب، حيث يختلط التكبير بالسمسرة، والتهليل بالمضاربة، والدين بالتقسيط الشهري.
حتى الخطاب الديني نفسه دخل اللعبة ، فبعض “فقهاء آخر الزمان” صاروا أكثر اهتماماً بتحريم “كوكاكولا” من تحريم الاحتكار والجشع وأكل أموال الناس بالباطل.
أحدهم أفتى بأن “كوكاكولا صهيونية” ويجب مقاطعتها ، لكنه نسي أن يلقي نفس الحماس الثوري على “واتساب” و”فيسبوك” و”إنستغرام”، ربما لأن هذه التطبيقات هي المصدر الرسمي للإعلانات، والتبرعات، و”اللايفات المباركة” التي تدرّ عليه دخلاً محترماً والذي يصبح معه كل غازي أجنبي حلالاً إذا كانت تحقق المشاهدات!
الناس اليوم لم تعد تريد فقيهاً متخصصاً في عدد شعرات ذيل الأضحية، ولا خبيراً استراتيجياً في طول السكين الشرعي ، الناس تريد من يتحدث عن: الفساد، والجشع، وانهيار القدرة الشرائية، والبطالة، والمخدرات، والتفاهة الرقمية، والعنف الذي صار يسكن الشوارع والعقول.
لكن يبدو أن بعض “حراس الدين التجاري” لا يزالون يعتقدون أن مشاكل الأمة الكبرى تختصر في: “هل يجوز شرب كوكاكولا بعد أكل لحم الغنم؟”
المغاربة لا يطلبون حرباً على الدين، بل حرباً على الذين حولوا الدين إلى مشروع استثماري موسمي ، فالفرق كبير بين من يخدم الدين ، ومن يفتح باسمه وكالة لبيع الوهم بالتقسيط المريح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *