نصف المجازين في المغرب يشتغلون في قطاع الكابلاج.. بين واقع التشغيل وإكراهات سوق العمل

بقلم: بدر شاشا

يشهد سوق الشغل في المغرب مفارقة لافتة، حيث تشير المعطيات المتداولة ميدانياً إلى أن نسبة مهمة من حاملي الشهادات الجامعية، خصوصاً من فئة المجازين، يجدون أنفسهم في قطاع صناعة الكابلاج (تجميع الأسلاك الكهربائية للسيارات)، وهو قطاع صناعي أصبح أحد أكبر المشغلين في البلاد خلال العقدين الأخيرين.

هذا التوجه يعكس تحولات عميقة في بنية التشغيل بالمغرب، حيث لم يعد الشهادة الجامعية وحدها كافية لضمان وظيفة في مجال التخصص، في ظل محدودية المناصب العمومية، وضعف قدرة بعض القطاعات التقليدية على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين.

قطاع الكابلاج، الذي يرتبط بشكل مباشر بصناعة السيارات، خصوصاً في المدن الصناعية مثل القنيطرة وطنجة والدار البيضاء، أصبح يوفر آلاف فرص الشغل سنوياً، مما جعله وجهة أساسية للباحثين عن العمل، بما فيهم حاملو الشهادات العليا.

ورغم أن هذا القطاع يساهم بشكل مهم في تقليص البطالة ورفع نسبة الإدماج المهني، إلا أنه يطرح في المقابل سؤال الملاءمة بين التكوين الأكاديمي وطبيعة العمل، حيث يشتغل العديد من المجازين في وظائف تقنية بسيطة مقارنة بمستواهم التعليمي.

هذا الواقع يعكس اختلالاً في العلاقة بين الجامعة وسوق الشغل، ويطرح إشكالية كبيرة حول فعالية المنظومة التعليمية في مواكبة حاجيات الاقتصاد الوطني، ومدى قدرة السياسات العمومية على خلق وظائف ذات قيمة مضافة تناسب الكفاءات المتوفرة.

في المقابل، لا يمكن إنكار الدور الإيجابي الذي يلعبه قطاع الكابلاج في امتصاص البطالة، وتوفير دخل قار لفئة واسعة من الشباب، في وقت تعرف فيه بعض القطاعات الأخرى محدودية في فرص التوظيف.

ويبقى التحدي الأساسي اليوم هو إعادة التوازن بين التكوين وسوق العمل، من خلال توجيه أفضل للطلبة، وتطوير التكوين المهني، وتشجيع الاستثمار في قطاعات أكثر تطوراً، قادرة على استيعاب الكفاءات الجامعية في وظائف تتناسب مع مؤهلاتها.

إن استمرار هذا الوضع يفرض نقاشاً وطنياً حول مستقبل التشغيل في المغرب، ليس فقط من زاوية عدد المناصب، بل أيضاً من زاوية جودة الوظيفة وقيمتها، حتى لا يتحول التعليم الجامعي إلى مجرد محطة عبور نحو وظائف لا تعكس حجم الجهد العلمي المبذول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *