النهوض بالجهات الأقل تنمية في المغرب: أساس العدالة المجالية والتنمية الشاملة

 بدر شاشا 
في المغرب، لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية أو إقلاع اقتصادي شامل دون الوقوف بصدق ومسؤولية أمام واقع الجهات الأقل تنمية، ليس من باب الشفقة أو التبرير، بل من منطلق العدالة المجالية التي تُعد جوهر الاستقرار الاجتماعي ووحدة الوطن. فالوطن لا يُقاس بقوة عاصمته أو ازدهار مدنه الكبرى، بل بمدى قدرة جميع مناطقه على توفير حياة كريمة لمواطنيها وتحقيق فرص متساوية في التعليم والعمل والخدمات الصحية والبنية التحتية.
تعتبر جهة درعة تافيلالت نموذجًا واضحًا للتحديات التي تواجه الجهات الأقل تنمية. فالعزلة الجغرافية، محدودية الموارد المائية، والهشاشة الاقتصادية تشكل عائقًا أمام استثمار طموح ومستدام. رغم الثروات الطبيعية التي تزخر بها، إلا أن هذه الإمكانات تبقى غير مستغلة بالشكل الأمثل، ما يحرم السكان من فرص الشغل ويجبر الشباب على الهجرة نحو المدن الكبرى. النهوض بهذه الجهة يتطلب استراتيجية شاملة تشمل تحديث الفلاحة، تطوير مشاريع صناعية متوسطة وصغيرة، وتوسيع البنية التحتية للنقل والاتصالات لضمان ربط المناطق النائية بالمراكز الاقتصادية الكبرى.
جهة فاس مكناس، رغم مكانتها التاريخية والثقافية، تواجه أيضًا تحديات تنموية كبيرة. البطالة المرتفعة، ضعف القطاعات الصناعية، وهشاشة الوسط القروي تجعلها عرضة لتفاقم الفقر وعدم المساواة. تعزيز الاستثمار المحلي، وتطوير التعليم والتكوين المهني بما يتماشى مع احتياجات سوق الشغل، يفتح آفاقًا حقيقية للحد من الهجرة الداخلية وتمكين الشباب من بناء مستقبلهم في مناطقهم الأصلية.
الجهة الشرقية تُعد مثالًا آخر على مناطق تحتاج إلى اهتمام خاص، فاعتمادها على قطاعات محدودة وضعف الاستثمار يجعلها غير قادرة على استيعاب طاقات الشباب وإطلاق دينامية اقتصادية مستدامة. مشاريع كبرى في الصناعات التحويلية والطاقة، وربطها بالشبكات اللوجستية الوطنية، يمكن أن تحول هذه الجهة إلى محور اقتصادي حيوي يخدم المنطقة بأكملها.
جهة بني ملال خنيفرة، التي تعتمد أساسًا على الفلاحة التقليدية، تحتاج إلى نهضة حقيقية في جميع القطاعات. تطوير الري والطرق، تشجيع الصناعات الغذائية والزراعية الحديثة، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، يمكن أن يغير واقعها الاقتصادي ويحد من الفوارق الاجتماعية الكبيرة بين المدن والقرى.
لا يمكن تجاهل جهة كلميم واد نون، حيث الفرص الاقتصادية محدودة والكثافة السكانية منخفضة، لكن الإمكانات موجودة في الصيد البحري والطاقة المتجددة والسياحة البيئية. الاستثمار الموجه بطريقة ذكية في هذه القطاعات يمكن أن يحول التحديات إلى فرص حقيقية للنمو وخلق فرص الشغل.
حتى جهة سوس ماسة، رغم وجود قطب اقتصادي وسياحي مهم في أكادير، تواجه تفاوتات كبيرة بين المدن والقرى وضغطًا على الموارد المائية. مشاريع تنموية متكاملة تشمل تحسين إدارة الماء، تطوير السياحة البيئية، ودعم الابتكار في الزراعة الحديثة، ستكون مفتاحًا لتحقيق تنمية متوازنة وشاملة.
النهوض بهذه الجهات ليس مجرد هدف اقتصادي، بل هو رسالة وطنية لتعزيز العدالة المجالية، تقليص الفوارق بين المواطنين، وضمان أن يكون لكل مغربي ومغربية الحق في حياة كريمة وفرص متساوية للنمو والتطور. العدالة المجالية ليست رفاهية، بل شرط أساسي للاستقرار الاجتماعي والسياسي ولتحقيق التنمية المستدامة. الاستثمار في التعليم، الصحة، البنية التحتية، والقطاعات الاقتصادية المحلية، هو الطريق لتحقيق هذا الهدف، وهو رسالة واضحة لكل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني وكل المواطنين أن المغرب القوي لا يُبنى إلا بارتقاء كل مناطقه دون استثناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *