حميد طولست .
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
من جديد، تعود الحملة السنوية ضد “الساعة الإضافية” لتحتل صدارة النقاش، وكأن مشاكل المغاربة كلها تم حلها، ولم يبق سوى عقارب الساعة لتُكمل مسيرة الإصلاح الوطني الشامل!
حملة رخيصة، بأسلوب رخيص، تقودها حسابات رخيصة، وبروفايلات أرخص، تدفع بعض السذج – بإيعاز من أطراف لا يزعجها شيء أكثر من استقرار هذا البلد – للمطالبة بإلغاء “ساعة كارلوس غصن”، أو “ساعة العثماني”، أو “ساعة الحكومة”، أو أي اسم آخر يصلح للغضب الموسمي ، المهم أن تبقى الساعة هي المتهمة الأولى في كل ما يقع.
الغريب أن هذه الحملة تتكرر كل سنة بنفس السيناريو، مع بعض “اللمسات الإخراجية” الجديدة: هذه السنة ظهرت “عريضة”!
وعريضة وقع عليها مواطنون مستعدون للطم وجوههم – على طريقة اللطم الإيرانيين الموسمي – كلما ذُكرت الساعة، لكنهم لا يتحمسون بنفس الحماسة للمطالبة بمحاسبة من تسببوا في بطالة أبنائهم، وخراب مدارسهم، وتدهور مستشفياتهم، وتقويض قدرتهم الشرائية، وإفساد أحلامهم الصغيرة ، وحتى راحة بالهم وتدبير شأنهم العاموالتعليم والصحة والتشغيل،،التي ضرب لها “تلافا” تراهم صامتين…
ولكن حين يتعلق الأمر بالساعة يتحولون إلى فقهاء في القانون، وخبراء في الدستور، ومناضلين في “العصيان المدني”! وتصبح فجأة الساعة هي “الشيء غير القانوني الوحيد” في حياتهم، وكأن الغلاء الفاحش في المحروقات والمواد الغذائية قانوني، وكأن ارتفاع سن التقاعد قانوني، وكأن تحرير أسعار الغاز قانوني، وكأن الاقتطاعات من الأجور قانونية…
لكن اللا قانوني الذي يشكل مشكلة كبرى هو أن المغرب أضاف ساعة!
والأغرب من ذلك أن كثيرين يشتكون من الساعة، لكنهم يسهرون إلى الواحدة والثانية صباحاً، ثم يستيقظون غاضبين لأن الشمس سبقتهم!
فهل المشكلة في الساعة، أم في نمط الحياة؟
الكوميدي الذكي “باسو” لخص المشهد بسخرية لاذعة عندما قال:
“كولشي ضدها وكولشي خدام بيها ، يزيدوا حتى ساعتين فين كاين مشكل ، نعس بكري، وفيق بكري، تخدم على راسك، وحتى الدراري الصغار حتى هما يفيقوا مع الفجر يصليو، يفطرو، يمشيو لمدرسة… إوا ضربو راسكم مع الحيط!”
كلام ساخر… لكنه يحمل كثيراً من الحقيقة.
وفي خضم هذه الضجة، خرجت أصوات تحذر من العرائض المشبوهة، معتبرة أن بعض الحملات قد تكون مجرد أدوات لتأجيج الرأي العام، أو حتى جمع معطيات شخصية بطرق ملتوية ، وهو أمر يزيد المشهد عبثية، لأن المواطن الذي لا يهتم بحماية معطياته الشخصية، يتحول فجأة إلى مناضل شرس ضد “ساعة قانونية”!
أما قصة “كارلوس غصن” التي تقول إن الساعة الإضافية كانت شرطاً لإنشاء مصنع رونو، فهي قصة تشبه الكثير من الروايات المغربية: نصفها إشاعة، ونصفها سخرية، والباقي غضب شعبي يبحث عن شماعة.
والمفارقة أن الرجل نفسه انتهى به المطاف مطارداً دولياً، بعد هروب سينمائي من اليابان إلى بيروت ، وكأن الساعة الإضافية لم تكن المصيبة الوحيدة في حياته!
في النهاية، يبقى السؤال البسيط: هل إلغاء الساعة الإضافية سيحل أزمة البطالة؟ هل سيخفض أسعار الوقود؟ هل سيحسن التعليم والصحة؟ هل سيعيد القدرة الشرائية؟
إذا كان الجواب “نعم”، فلنلغِ الساعة فوراً!
أما إذا كان الجواب “لا”، فربما المشكلة ليست في الساعة ، بل في طريقة إدارة الوقت ، وإدارة الغضب ، وإدارة الأولويات.
لأن العقلاء، حين تتراكم المشاكل الكبرى، لا ينشغلون بعقارب الساعة ، بل بمن جعل حياتهم كلها تدور في حلقة مفرغة ، حتى أصبحت الساعة نفسها تبحث عن مخرج!
فما رأيكم؟؟؟؟؟؟.