حميد طولست
مقال ساخر
وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وقعت عيناي على خبرٍ جعلني أتوقف قليلًا، لا بسبب غرابته، بل بسبب بساطته. خبر يجسد معنى “الحكومة الاجتماعية” بحق، ويجعل المواطن الإسباني يفتخر بحكومته، في زمنٍ صار فيه المواطن في دول أخرى يفتخر فقط بقدرته على الصبر.
ففي مثل هذه الظروف العصيبة ،التي يختبئ فيها “فراقشية الحكومات”وراء مضيق هرمز، لتحويل حياة الناس إلى عذاب اقتصادي واجتماعي مرهق، عبر زيادات غير مبررة في أسعار كل ما يهم معيشة المواطن المقهور، خرجت الحكومة الإسبانية، بقيادة رئيس وزرائها بيدرو سانشيز، بحزمة إجراءات طارئة بقيمة 5 مليارات يورو لعام 2026، وكأنها إشراقة نور في عتمة عالمٍ اعتاد أن يدفع فيه المواطن فاتورة الأزمات حتى لو لم يشارك في صنعها.
الإجراءات الإسبانية لم تكن مجرد تصريحات للاستهلاك الإعلامي، بل جاءت على شكل قرارات ملموسة، من بينها:
خفض ضريبة القيمة المضافة على الكهرباء والوقود من 21% إلى 10%
تخفيضات خاصة على الكهرباء وصلت إلى 0.5% لتخفيف أزمة الطاقة
تعليق بعض الضرائب على الغاز والنفط
تثبيت أسعار غاز البوتان لتخفيف العبء على الأسر
دعم مباشر لمهنيي النقل والفلاحين ومربي الماشية والصيادين بقيمة 20 سنتاً لكل لتر وقود
تخفيض رسوم الكهرباء بنسبة 80% للصناعات كثيفة الاستهلاك
تمديد “البونص الاجتماعي” للكهرباء للأسر الهشة
إطلاق اشتراك تنقل شهري شامل بقيمة 60 يورو فقط يشمل القطارات والحافلات والمترو والترام والطرق السيارة، تشجيعا للمواطنين على التنقل بتكلفة رمزية .
كل هذه الإجراءات فقط لأن الأسعار ارتفعت، ولأن الحكومة رأت أن من واجبها حماية المواطنين.
أما في الضفة الأخرى من المتوسط، فالأمر مختلف تمامًا ، حيث أنه ترتفع الأسعار محليا ، بل أن تُرفع عالميًا ،وحين تنخفض عالميًا، تبقى محليًا مرتفعة ، وحين لا يحدث شيء عالميًا ، تُرفع احتياطًا تحسبا لأي ارتفاع قد يحدث!
وفي الوقت الذي تتحرك فيه الحكومات الاجتماعية لحماية القدرة الشرائية، نجد أنفسنا أمام حكومة ترفع شعار “الدولة الاجتماعية”، تتعامل مع الأزمات كفرص ذهبية لإنعاش المداخيل ، وتغذية جيوب المضاربين والمحتكرين، وإرضاء لوبيات المال والأعمال.
حتى إن المواطن أصبح يشعر أن الحكومة موجودة فقط حين يتعلق الأمر باقتطاع الضرائب، وغائبة تمامًا حين يتعلق الأمر بحمايته.
بينما في دول أخرى، حين ترتفع الأسعار تتحرك الحكومات.
وعندنا، ترتفع الأسعار ، تتحرك جيوب المضاربين.
في دول أخرى، الأزمات تُقاس بمدى تأثيرها على المواطنين.
أما عندنا، فتُقاس بمدى الأرباح التي يمكن تحقيقها منها.
ربما سيقول قائل إن إسبانيا لم تتأثر بما يحدث في مضيق هرمز ، لكن الحقيقة أن الحكومات تُقاس بالكفاءة لا بالجغرافيا، وبالإرادة السياسية لا بالمبررات ، لأن الواقع والممارسة هما مرآة جودة السياسيين، ولأن الحكومات الاجتماعية الحقيقية لا تنتظر الأزمات لتبرير تقاعسها، بل تتحرك فورًا لحماية المواطنين.
المواطن عندنا، أصبح يتابع نشرات الأسعار كما يتابع نشرات الطقس:
ارتفاع جديد قادم والاحتياطات واجبة ، لكن الفرق أن الطقس قد يتحسن ، أما الأسعار ، فدائمًا في حالة “استقرار مرتفع”.
الدول كلها تقريبًا منشغلة اليوم بتخفيف معاناة مواطنيها،
بينما نحن منشغلون برفع شعار “الدولة الاجتماعية” دون أن نكلف أنفسنا عناء تطبيقه.
وهكذا، بينما تحاول الحكومات الاجتماعية أن تجعل الحياة ممكنة،
نكتفي نحن بجعل الصبر مهارة وطنية.