عندما تختفي الكوفية ويظهر العقل ،ولو متأخراً!

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

بعد مرور 25 يوماً على المواجهات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، حدث أمر غير مألوف في المغرب: الشوارع هادئة، والليل بلا مسيرات، والبرلمان بلا شعارات، والكوفية في عطلة غير مدفوعة الأجر.
فجأة، اختفت تلك الجموع التي كانت تخرج في كل أزمة إقليمية وكأنها تلقت إشعاراً عاجلاً من “غرفة عمليات التضامن العابر للحدود” ، فلم نعد نرى صور رموز نظام الملالي، ولا الأعلام التي كانت تظهر أسرع من سيارات الإسعاف ، وكأن المغاربة، لأول مرة، قرروا قراءة العنوان جيداً قبل النزول إلى الشارع.
يبدو أن شيئاً ما تغيّر ، ربما تعب الناس من الاحتجاجات الجاهزة، أو ربما أدركوا أن التضامن الإنساني لا يعني بالضرورة حمل شعارات أنظمة لا تعرف حتى موقع المغرب على الخريطة ، أو ربما ببساطة نفد مخزون الحماس المستورد.
وفي المقابل، ظهر نوع جديد من النضال: “نضال الصالونات الرقمية” فبعد أن ضاقت الشوارع، واتسعت منصات التواصل ، حيث ، عاد الكوفيون الافتراضيون إلى مهنتهم الأصلية: التخوين بالجملة، والتشهير بالتقسيط، وتوزيع شهادات الوطنية مثل منشورات إشهارية ، فمن قال “عاش الملك” صار “عياش”، ومن قال “عاش الوطن” صار “زلايجي”، ومن قال “نحب المغرب” صار “طبال”. وكأن الوطنية أصبحت تهمة، وحب الوطن جريمة، والدفاع عن المصالح العليا للمملكة نوعاً من “الانحراف السياسي”.
المفارقة الساخرة أن الذين يتهمون غيرهم بغياب الوطنية، هم أنفسهم المستعدون للانفعال من أجل كل قضية خارج الحدود، بينما يتحسسون من أي حديث عن مصالح المغرب وكأنها موضوع محرج.
لكن يبدو أن المغاربة بدأوا يملّون هذه المسرحية ، بعد أن راكموا من التجربة ما يكفي ليفرقوا بين التضامن الإنساني الصادق، وبين الاستثمار السياسي في دماء الآخرين ، وأصبحوا أكثر وعياً بأن الوطنية ليست شعاراً يرفع في الشارع، بل موقفاً يُقاس عندما يتعلق الأمر بمصلحة الوطن.
وأن الوطنية ليست “تعياشت”، ولا “تطبالت”، ولا “تزلايجيت” ، الوطنية ببساطة أن تحب وطنك دون إذن، وأن تدافع عنه دون خوف، وأن تفضح لصوصه دون انتقائية.
أما الذين يبحثون عن وطن بديل في كل أزمة دولية ، فربما عليهم أن ينتظروا الأزمة القادمة، لعل الكوفية تعود من إجازتها، ويعود معها الاحتجاج الموسمي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *