حميد طولست
كاتب ساخر وناقد اجتماعي
يبدو أن بعض السياسيين عندنا يملكون قدرة خارقة على تحويل الكوارث الطبيعية إلى فرص انتخابية، حتى ليكاد المرء يعتقد أن الفيضانات عندهم ليست محنة للسكان، بل مناسبة موسمية لالتقاط الصور وتوزيع الابتسامات ، وربما أيضًا توزيع الوعود التي لا تُغرقها المياه ولا تنقذها كذلك.
ففي الوقت الذي كانت فيه مدينة العرائش تمسح مياه الفيضانات عن جدران منازلها، وتحصي الأسر التي شُرّدت، والأثاث الذي انجرف، والأحلام التي تبللت حتى النخاع ، قرر الأمين العام لحزب الاستقلال، السيد نزار بركة، أن يزور المدينة التي يمثلها برلمانيا.
جميل ، وممتاز ، وخطوة إنسانية متوقعة…
لكن المفاجأة أن الزيارة لم تكن لتفقد المتضررين، ولا لمواساة الأسر التي قضت أيامًا خارج بيوتها، ولا حتى للاستماع إلى مواطنين أنهكتهم موجة الغلاء وارتفاع الأسعار، بل كانت، كما يبدو، زيارة من نوع آخر:
زيارة تضامنية ، مع أصوات الأنصار!
نعم، فقد تحولت الزيارة إلى ما يشبه مهرجانًا انتخابيًا صغيرًا، حشد له المؤيدون من كل صوب وحدب، وكأن المدينة لم تكن غارقة في الماء، بل غارقة في صناديق الاقتراع.
وبدلا من أن تُرفع شعارات التضامن، رُفعت شعارات “مرحبا بالزعيم”، وبدلا من توزيع البطانيات، وُزعت الابتسامات، وبدلا من تفقد الأحياء المتضررة، تم تفقد مزاج الناخبينن الأنصار!
ويبدو أن بعض السياسيين عندنا يعتقدون أن المواطن عندما تغمر المياه منزله، فإن أول ما يحتاجه هو رؤية موكب سياسي يمر من بعيد، يلوّح له بابتسامة مطمئنة، ثم يواصل طريقه نحو قاعة مكيفة حيث ينتظر الأنصار بحماس انتخابي مبكر.
والأطرف من ذلك، أن هذه الزيارة جاءت من برلماني يمثل المنطقة نفسها، ما يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه محرج: هل يزور بعض ممثلينا دوائرهم الانتخابية فقط عندما تكون الكاميرات جاهزة والأنصار مصطفين والتصفيق مضمونًا؟
إنها معادلة سياسية مغربية خالصة: عندما تكون المدينة في أزمة يغيب السياسي ، وعندما تهدأ المياه يظهر السياسي ، وعندما يقترب موعد الانتخابات يظهر أكثر!
والأكثر إثارة للدهشة في هذا التمرين السياسي البهلواني: حزب في الحكومة لكنه يتحدث أحيانًا كمعارضة،
وزعيم يشارك في تدبير السياسات لكنه ينتقد نتائجها،
وسياسي يطلب ثقة المواطن بينما المواطن يبحث عنه وقت الشدة فلا يجده.
وهنا يصبح المشهد أشبه بمسرحية سياسية عبثية: السياسي يحكم ويعارض نفسه، يعد ثم يشتكي من عدم تنفيذ وعوده،
يشارك في السلطة ثم يندد بنتائجها!
ولأن السياسة عندنا أحيانًا تتحول إلى نوع من “الفن الاستعراضي”، فإن الأسئلة التي طرحها الصحفي محمد الخمسي تصبح أكثر إلحاحًا وصدقية اليوم من أي وقت مضى:
كم من السياسيين يعتقدون فعلًا أن التاريخ سيذكرهم؟
وكم منهم سيترك وراءه أثرًا غير الصور الجماعية؟
وكم منهم حسّن حياة المواطنين بدل تحسين صورته؟
وكم منهم سيذكره الناس بالنزاهة لا بالمواسم الانتخابية؟
ويبى السؤال الأصعب : كم منهم سيبصق التاريخ على قبره بعد أن يحوّل المنصب إلى مشروع عائلي صغير؟
سؤال قاسٍ ، نعم ، لكنه أقل قسوة من واقع مواطن فقد منزله ولم يجد من يمثله إلى جانبه.
لقد قال القرآن الكريم: “وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا”
وهي تذكير بسيط بأن التاريخ لا يحتفظ بكل الأسماء بل يحتفظ فقط بمن خففوا آلام الناس لا بمن زادوا في احتقانهم.
أما الخلاصة، فهي أن السلطة عند البعض ليست مسؤولية بل مناسبة ، ومحنة المواطن ليست أزمة بل فرصة ، والزيارة التضامنية ليست تضامنًا بل بروفة انتخابية مبكرة.
وصدق المثل المغربي الذي يقول : “ليس في القنافذ أملس”
وبالفعل ، فبعض السياسيين عندنا، مهما حاولوا الظهور بمظهر المنقذين ، تبقى أشواك الواقع أقوى من نعومة الخطاب.