حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
كعادتي كل صباح، وبينما أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، أتنقل بين الأخبار العاجلة والعناوين الكبرى والتعليقات الساخنة التي لا تقل إثارة عن الأخبار نفسها، وجدتني أمام ثلاث وقائع لا يجمع بينها سوى شيء واحد: أنها تصلح لأن تكون مادة لعرض ساخر أكثر منها أخبارًا سياسية جادة.
صباح واحد فقط ، لكن بثلاثة مشاهد من مسرحية العبث السياسي.
المشهد الأول: معارضة حكومية ،أو حكومة معارضة؟
الخبر الأول يقول إن حزب التقدم والاشتراكية، وهو حزب في المعارضة، قرر تزكية مستشار يشتغل بديوان وزيرة في الحكومة، لخوض الانتخابات باسمه.
هنا يتوقف العقل قليلًا ، ثم يطلب إجازة مفتوحة.
فالمعارضة -كما تعلمنا في كتب التربية السياسية – هي أن تعارض الحكومة، وتراقبها، وتنتقدها، وتقترح بدائل عنها ، لكن يبدو أن هناك نسخة مغربية جديدة من المعارضة تقوم على معارضة الحكومة ، مع الاحتفاظ بمستشارين منها تحسبًا للطوارئ!
ربما هي معارضة “احتياطية” ، أو معارضة “نصف موسمية” ، أو ربما معارضة “كل شيء إلا الفوز بالمقاعد”.
والأجمل في الموضوع أن الحزب يتحدث كثيرًا عن تخليق الحياة السياسية، ومحاربة “أعيان الانتخابات”، وتشبيب النخب ، ثم يختار شخصية مرتبطة بديوان وزاري.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام حزب يعارض الحكومة ،أم أمام حزب يريد فقط معارضة المقاعد التي لم يحصل عليها بعد؟
يبدو أن السياسة عند بعض الأحزاب تشبه كرة القدم في الأحياء الشعبية: اللاعب قد يكون في الفريقين ، حسب اتجاه الكرة.
المشهد الثاني: ذاكرة سياسية قصيرة ، أو ذاكرة موسمية؟
أما الخبر الثاني، فهو أكثر إثارة. مفاده أن رئيس حزب العدالة والتنمية أعلن بحماس انتخابي مبكر، في تجمع حزبي، بأننه سيلغي الساعة الإضافية استجابة للمطالب الشعبية.
جميل ، بل رائع ، لكن هناك تفصيل صغير فقط: من الذي فرض الساعة الإضافية أصلاً؟ المفاجأة أن الجواب بسيط :
بنكيران وسّع العمل بها إلى ستة أشهر والعثماني جعلها طيلة السنة ، أي أن الحزب نفسه هو الذي أدخل الساعة الإضافية إلى بيوتنا ، ثم عاد اليوم ليقود حملة لإخراجها منها!
وهنا نكتشف أن السياسة عند بعض الأحزاب تشبه لعبة “الغميضة”:
تضع الشيء بنفسك ، ثم تبحث عنه أمام الناس ، ثم تعلن أنك وجدته!
لكن الساعة الإضافية ليست الحالة الوحيدة، فالقائمة طويلة:وقّعوا على التطبيع ، ثم يطالبون بإسقاطه . حرّروا أسعار المحروقات ، ثم يحتجون على غلائها . احتجوا على القاسم الانتخابي ، وينتظرون الاستفادة منه . دعموا عزيز أخنوش ، ثم ينتظرون رحيله …
وهنا قد يتساءل المواطن: هل تغيرت مواقف الحزب؟ أم أن الحزب يعاني من فقدان ذاكرة سياسي موسمي؟
الأمر يبدو أقرب إلى حالة سياسية نادرة: يفعل الشيء صباحًا ،ويعارضه في المساءً، ويعد بإلغائه في الصباح التالي ، وكأن السياسة التي كانت فن الممكن ، أصبحت فن النقيض الممكن.
المشهد الثالث: أوروبا تستيقظ و”الدعاة الرقميون” يبحثون عن شبكة جديدة.
الخبر الثالث جاء من بلجيكا، حيث قررت السلطات هناك ترحيل كل من يستغل منصات التواصل للتحريض على الكراهية أو نشر أفكارمتشددة.
ببساطة ، كل من يعيش في أوروبا، ويصفها بأنها “مجتمع فاسد”، ويدعو إلى إسقاط قيمها ، فالحل بسيط: العودة إلى المكان الذي يرى أنه أفضل.
رسالة مباشرة واضحة وبلا شعارات.
أوروبا، التي كانت تُتهم بالمبالغة في حرية التعبير، قررت هذه المرة أن تقول:”حرية التعبير لا تعني حرية التحريض ضد المجتمع الذي يحتضنك.”
وهنا تظهر المفارقة الساخرة: بعض هؤلاء يعيشون في دول ديمقراطية، يتمتعون بحرياتها، ثم يستخدمون هذه الحرية نفسها للدعوة إلى إلغاء الحرية!
إنها نسخة حديثة من القاعدة الساخرة: تأكل من المائدة ، ثم تدعو إلى كسرها ، أو كما يقال بالدارجة المغربية: “تيكل الغلة ويسب الملة”.
لكن يبدو أن أوروبا 2026 قررت أخيرًا أن تضع حدًا لهذا التناقض.
خلاصة الصباح العبثي
ثلاثة أخبار ، وثلاثة دروس:
معارضة ترشّح مستشارًا حكوميًا
حزب يطالب بإلغاء ما فرضه بنفسه
دعاة ينتقدون مجتمعات يعيشون من خيراتها
والنتيجة واحدة: السياسة لم تعد فقط فن الممكن ، بل أصبحت أحيانًا فن المستحيل المنطقي.
في النهاية، أغلقت هاتفي بعد هذا الصباح العجيب، وأنا أتساءل: هل نحن أمام أخبار سياسية؟ أم أمام حلقات جديدة من برنامج ساخر ، لكن بلا ممثلين؟
الأرجح أننا أمام واقع يفوق السخرية نفسها ، لأن السخرية، على الأقل، تحاول أن تكون منطقية، أحيانًا كثيرة…