مستشفى بن صميم… من صرح طبي عالمي إلى أطلال منسية في قلب الأطلس

محمد جمال نخيلة 

وسط المناظر الطبيعية الخلابة التي تميز جبال الأطلس المتوسط، وبالضبط على الطريق الرابطة بين آزرو وإفران، تختبئ قرية بن صميم التي لا يعرفها كثيرون، رغم احتضانها لواحد من أكثر المشاريع الطبية إثارة للدهشة في تاريخ المغرب: مستشفى بن صميم المهجور.

تعود قصة هذا المستشفى إلى فترة الحماية الفرنسية، حين لفتت الطبيعة الساحرة لإفران انتباه المستعمر، بما تزخر به من غابات الأرز الكثيفة والهواء النقي والينابيع العذبة. هذه المؤهلات الطبيعية، إلى جانب المناخ المعتدل والرطب الناتج عن ارتفاع المنطقة، جعلت منها وجهة مثالية للاستشفاء، خاصة من الأمراض التنفسية.

في هذا السياق، برز اسم الفرنسي “موريس بونجان”، الذي تختلف الروايات حول صفته بين كونه رجل أعمال ثري أو طبيب مختص في الأمراض الصدرية. لكن المؤكد أنه كان يعاني من داء السل، قبل أن تتحسن حالته الصحية بشكل ملحوظ بعد إقامته في بن صميم واستنشاقه لهوائها النقي. هذه التجربة الشخصية كانت دافعه لتشييد مصحة متخصصة في علاج السل، في مبادرة إنسانية مفتوحة أمام المرضى من مختلف الجنسيات.

سرعان ما تحول المستشفى إلى واحد من أكبر المراكز الطبية في إفريقيا آنذاك، حيث استقبل مرضى من داخل المغرب وخارجه، وقدم خدمات طبية متقدمة في زمن كانت فيه الإمكانيات محدودة. وقد شكل هذا الصرح الطبي نقطة أمل لآلاف المصابين بأمراض صدرية، في بيئة علاجية تجمع بين الطب والطبيعة.

غير أن هذا المجد لم يدم طويلاً. فبعد مغادرة الفرنسيين للمستشفى سنة 1965 وتسليمه للسلطات المغربية، دخل مرحلة من التراجع انتهت بإغلاقه بشكل نهائي سنة 1973، في ظروف لا تزال غامضة. ومع مرور السنوات، تحول المستشفى إلى بناية مهجورة تعرضت للنهب والتخريب، ولم يتبق من تاريخه سوى صور قديمة توثق لفترة ازدهاره.

ومع هذا الإهمال، بدأت تنتشر حول المكان روايات وقصص غامضة عن أصوات مجهولة وحوادث غريبة، ما جعله قبلة لبعض المغامرين وصناع المحتوى الباحثين عن الإثارة. غير أن العديد من هذه الروايات يمكن تفسيرها بوقائع عادية، بعيدة عن أي طابع خارق.

وخلال جائحة كوفيد-19، عاد اسم مستشفى بن صميم إلى الواجهة، بعدما طالب مواطنون بإعادة تأهيله لاستقبال مرضى الأمراض التنفسية، نظراً لتاريخه ووظيفته الأصلية. إلا أن المعطيات الرسمية كشفت أن العقار أصبح تابعاً لوزارة الداخلية منذ الثمانينيات، قبل أن يتم تفويته لمستثمرين أجانب سنة 2015 في إطار مشروع صحي وسياحي لم ير النور إلى اليوم.

بين أمجاد الماضي وإهمال الحاضر، يظل مستشفى بن صميم شاهداً صامتاً على مرحلة تاريخية مهمة، وواحداً من المشاريع التي كان يمكن أن تشكل إضافة نوعية للقطاع الصحي، لو كُتب لها الاستمرار بدل أن تتحول إلى أطلال وسط الجبال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *