وداد الزهيري
لم تكن زيارتي لذلك الجناح مجرّد موعدٍ طبي، بل كانت رحلةً إنسانية اختزلت لي وجوهًا متناقضة من هذا العالم؛ وجوهًا تُثقِل القلب، وأخرى تُعيد إليه نبض الطمأنينة.
حين وطئتُ عتبة المصلحة، كان في داخلي شيءٌ من القلق، وشيءٌ من رجاء. سألتُ أول من صادفتُه: “أريد التواصل مع بروفيسور العلمي”، فابتسم ابتسامةً هادئة وقال ببساطة الواثقين: “أنا هو.”
في تلك اللحظة، لم ألتقِ مجرد طبيب، بل التقيتُ إنسانًا يُعرّف نفسه بالتواضع قبل الألقاب، وبالابتسامة قبل المسميات.
دخلتُ قاعة الفحص، فوجدته محاطًا بطلابه من الأطباء المقيمين، كأنّه شمسٌ تُعلّم الضوء كيف ينتشر دون أن يحترق أحد. كان يشرح، يبتسم، يُنصت، ويحتوي… فشعرتُ أنني لستُ في فضاءٍ طبيّ بارد، بل في حضرة علمٍ له قلب، ورحمةٍ لها ملامح.
لكن قبل هذا النور، مررتُ بظلٍّ عابر…
فتاةٌ خارج المصلحة، تجلس خلف مكتبٍ تُطبع فيه أوراق العلاج، لكنها نسيت أن تُطبع في تعاملها أبسط قواعد الإنسانية. كان صوتها حادًا، وكلماتها جافة، وكأنها توزّع الضيق بدل الخدمة. لحظتها، شعرتُ أن قلبي يضيق، وأن سكر دمي يرتفع لا بسبب مرضي، بل بسبب قسوةٍ لا مبرر لها.
غير أن ما حدث بعد ذلك، كان كفيلًا بمحو تلك السحابة.
ابتسامة البروفيسور العلمي لم تكن مجرد تعبيرٍ عابر، بل كانت بلسمًا خفيًا يُعيد ترتيب الفوضى داخلي.
وابتسامة الممرضة الطيبة ليلى… كانت كيدٍ حنونة تُربّت على قلقي دون أن تتكلم كثيرًا.
أما باقي الطاقم، فقد كانوا كأنهم خيوط نورٍ متفرقة، لكنها حين تجتمع، تُضيء المكان كله.
حتى الفتاتان في الاستقبال، كان في تعاملهما لطفٌ صادق، جعلني أُدرك أن المهنة ليست مهامًا فقط، بل روحٌ تُضفي على العمل معناه.
خرجتُ من هناك وأنا أُفكّر:
كم هو مؤلم أن يُفسد شخصٌ واحد لحظةً إنسانية، وكم هو جميل أن يُصلحها آخرون دون أن يعلموا.
البروفيسور العلمي لم يكن فقط طبيبًا يُجيد فحص الكتف، بل كان إنسانًا يُتقن مداواة ما لا يُرى.
وليلى لم تكن مجرد ممرضة، بل كانت ابتسامةً تمشي على قدمين.
وذلك الطاقم… كان درسًا صامتًا في أن الأخلاق لا تُدرّس في الجامعات، بل تُمارس في التفاصيل.
أما تلك الفتاة خارج المصلحة… فليتها تُدرك أن الكلمة قد تكون دواءً، وقد تكون داءً، وأن المريض لا يأتي فقط بألمه الجسدي، بل بقلبٍ يحتاج قليلًا من اللطف.
في النهاية، أدركتُ أن الأماكن لا تُقاس بجدرانها، بل بقلوب من يعملون فيها…
وهناك، في ذلك الجناح، كان القلب أكبر من أي جرح.