عندما نصبح “فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين”

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في المغرب، لا تحتاج إلى أن تكون فلسطينياً حتى تدافع عن فلسطين ، بل يكفي أن تكون أكثر فلسطينية من الفلسطيني نفسه ، وهذه، في حد ذاتها، معجزة سياسية واجتماعية تستحق أن تُدرّس في الجامعات ، لو كانت لدينا جامعات تُدرّس “علم المزايدة العاطفية المقارنة”.
تخيلوا المشهد:
هناك حوالي مليوني فلسطيني يعيشون داخل إسرائيل، أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات وبرلمانيون ورجال أعمال ورياضيون ، يستيقظون صباحاً، يذهبون إلى أعمالهم، يدرسون أبناءهم، يفتحون مشاريعهم، يديرون شركاتهم، ويدفعون الضرائب ، وبعضهم يلعب في دوريات رياضية اسرائلية ولهم رعاة عالميون يطلب منا مقاطعتهم من اجل فلسطين ، ببساطة: كلهم يعيشون حياتهم ، وبعضهم يتقاضى أجوراً قد تُصيب أعلى مسؤول سامي عندنا بدوار مفاجئ …
والحياة، رغم كل التعقيدات السياسية، تستمر في المؤسسات الفلسطينية …
لكن المفارقة العجيبة تبدأ هنا.
في طنجة وتطوان ومدن أخرى، يظهر نوع جديد من “الفلسطينيين بالوكالة” ،لا يعيشون في غزة، ولا في رام الله، ولا حتى في الضفة ، لكنهم يعيشون حالة “استنفار دائم” أكثر من سكان المنطقة أنفسهم.
يخرجون إلى الشارع ، يرفعون الشعارات ، يصرخون ، يعلنون المقاطعة ، يتهمون الجميع بالخيانة ، ويعودون مساءً إلى بيوتهم لمتابعة مباريات كرة القدم الأوروبية عبر شركات عالمية و على هواتف أمريكية مع قهوة مستوردة من دول “إمبريالية” طبعاً.
هذه ليست مفارقة ، هذه كوميديا سياسية مكتملة الأركان.
المشكلة ليست في التضامن مع فلسطين ، فالتضامن الإنساني قيمة نبيلة لا يختلف عليها أحد ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القضية إلى:
مشروع سياسي جاهز ، رأس مال انتخابي ، منصة مزايدة أخلاقية ، وسيلة لإحراج الدولة ، أداة لتصفية الحسابات الداخلية ، هنا فقط، تتحول فلسطين من قضية تحرر إلى “ماركة سياسية” جاهزة للاستعمال.
بعضهم لا يتحدث عن فلسطين إلا عندما يحتاج إلى رفع منسوب الحماس ، وبعضهم لا يكتشف معاناة الفلسطينيين إلا عندما يقترب الموسم الانتخابي ، وبعضهم يتذكر غزة فقط عندما يريد مهاجمة خصومه في الداخل ، وكأن فلسطين أصبحت، زرّاً سياسياً يُضغط عليه عند الحاجة.
والأكثر طرافة في هذا المشهد ، هو أن هذا الحماس لا يقتصر على الإسلاميين فقط ، فحتى بعض اليساريين ، الذين كانوا تاريخياً في صراع فكري مع الإسلاميين ، وجدوا أنفسهم فجأة يسيرون خلف نفس الشعارات ، ونفس الخطاب ، ونفس المعارك.
اليسار الذي كان ينتقد “الخطاب الديني” ، أصبح يتحرك تحت سقفه.
اليسار الذي كان يحذر من “الثيوقراطية” ، أصبح يصفق لمنطقها عندما يتعلق الأمر بفلسطين.
اليسار الذي كان يرفع شعار “العقلانية” ، أصبح يسبح في بحر الشعارات العاطفية.
وذلك ، لأن السياسة لا تحب الفراغ ، فإن الفراغ الأيديولوجي يصنع تحالفات غريبة، كما حدث مع بعض الرفاق الذين وجدوا أنفسهم خارج المشهد ، بعد سقوط النموذج الاشتراكي ،وتراجع الخطاب اليساري، فلم
يجدوا بأس في الانضمام إلى “محور المقاومة” ولو من باب الشعارات.
كما تقول الحكمة : “فأن تكون جزءاً من “معركة كونية ، أفضل من أن تكون خارج التاريخ”، حتى لو كانت مساهمتك مجرد تدوينة على فيسبوك.
ربما المشكلة ليست في الدفاع عن فلسطين ، ولا في التضامن ، ولا في الغضب ، المشكلة حين يتحول كل ذلك إلى مسرح سياسي ، يُستخدم فيه الألم الحقيقي ، كوقود للمعارك الصغيرة.
لهذا ، تحية ليسار زمان ، حين كان يساراً لا صدى ، وحين كان موقفاً لا موجة ، وحين كان قضية لا موسماً.
أما اليوم ، فقد أصبح لدينا نوع جديد من النضال: نضال من المقاهي ، وثورات من لوحات المفاتيح ، ومعركة كونية ، تنتهي قبل نشرة الطقس.
وهكذا ،نبقى في المغرب : “فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسه”
على الأقل في الشعارات.
و مرة أخرى :تحية لليسار حين كان يساراً…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *