حين يصبح “الانقلاب” تقليداً نقابياً عريقاً عند “UGTM”!

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في السياسة كما في النقابة ، هناك أشياء لا تتغير، تتبدل الوجوه، تتغير الشعارات، تُرفع اللافتات الجديدة ، لكن السيناريو يبقى نفسه، كأنه مسلسل مغربي طويل لا تنتهي حلقاته، عنوانه العريض: “التاريخ يعيد نفسه داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب”.
فمنذ تأسيسها سنة 1960، لم تكن نقابة الاتحاد العام للشغالين مجرد إطار نقابي تقليدي، بل كانت دائماً رأس الرمح في نضالات حزب الاستقلال، وذراعه الاجتماعية التي تُحرّك الشارع حيناً، وتُهدّئه حيناً آخر، وفق ما تقتضيه حسابات السياسة أكثر مما تقتضيه مطالب الشغيلة.
ولأن لكل تقليد عريق طقوسه ، فقد رسّخت النقابة، عبر أكثر من ستة عقود، تقليداً خاصاً بها يكاد يكون مسجلاً كتراث غير مادي: التوتر ، ثم البلاغ، ثم البلاغ المضاد، ثم “حركة تصحيحية”، ثم مؤتمر استثنائي، ثم كاتب عام جديد، ثم انتظار الإطاحة به!
إنها دورة حياة نقابية كاملة أشبه بدورة الفصول الأربعة، لكنها داخل “UGTM” لا تتغير أبداً ، انقلاب ، ثم انقلاب مضاد ، ثم انقلاب جديد.
بدأت الحكاية مع هاشم أمين الدويري، أول كاتب عام للنقابة، الذي صعد بمباركة قيادات حزب الاستقلال ، لكنه سرعان ما سقط بنفس المباركة!
والسبب؟ مقابلة مع الملك الحسن الثاني دون علم علال الفاسي ، وهي زلة سياسية كافية ليجد الرجل نفسه خارج النقابة، بعدما نُشر خبر طرده في جريدة “العلم” بدعوى التصرف في أموال النقابة دون حق ، وهكذا بدأ التقليد ولم يتوقف منذ ذلك الحين.
ثم جاء عبد الرزاق أفيلال الرجل الذي قضى أكثر من أربعين سنة في قيادة النقابة، ظناً منه أن الزمن الطويل يمنح الحصانة ، لكنه اكتشف متأخراً أن في “UGTM” لا حصانة لأحد ، حيث كانت تصريحات غير محسوبة حول القصر الملكي كانت كافية ليفتح عليه رفاق الأمس أبواب الهجوم ، بل وصل الأمر إلى اقتحام مكتبه بالمقر المركزي للنقابة للضغط عليه من أجل الاستقالة ، وهكذا أخرج أفيلال ودخل محمد بن جلون الأندلسي ، الذي لم يطل به المقام، بعد أن تحول فرفاق الصعود حميد شباط، القباج، الزومي إلى رفاق السقوط ، نفس الأسماء التي دفعت به إلى الواجهة، كانت نفسها التي أسقطته من فوقها، في مشهد يعكس حقيقة ثابتة داخل النقابة مفادها أن : من يصنع الزعيم في الاتحاد العام للشغالين هو أول من يقرر إعدامه سياسياً.
ثم جاء حميد شباط ، الذي رغم ما عُرف به من دهاء السياسي وقدرة على المناورة ، وجد ننفسه بلا تأمين نقابي ، وأن دهاه لم يكافيه لتفادي “القدر النقابي” الذي ينتظر كل كاتب عام للنقابة، حيث تحل
سنة 2017 حتى أطاح به ما عُرف حينها بـ”تيار الصحراء” داخل حزب الاستقلال في شخص ” النعمة ميارة أو ” في معركة كانت من أعنف المعارك النقابية: استدعت تدخل القضاء على الخط بعد أن أصبحت مفاتيح مقر النقابة موضوع نزاع قضائي ،
مؤتمر “موازٍو” تدخل أمني لفض مؤتمر “زائف”
باختصار ، كانت “ملحمة نقابية” كاملة الأركان.
واليوم ، الحلقة الجديدة من المسلسل القديم ، حيث يبدو أن التاريخ لم يكتف بإعادة نفسه ، بل صار يعيد نفسه بحذافيره :توتر داخل المكتب التنفيذي ،بلاغات متبادلة ، حركة تصحيحية ، دعوة إلى مؤتمر استثنائي ، حديث عن انتخاب كاتب عام جديد…
كل المؤشرات تؤكد أننا أمام حلقة جديدة من المسلسل القديم ، وكأن الاتحاد العام للشغالين لا يغير إلا أسماء الممثلين ، أما السيناريو فهو نفسه ، والمخرج هو نفسه ، والنهاية معروفة سلفاً ،والزعامة النقابية عقد مؤقت!
في “UGTM” لا يبدو أن الكتابة العامة منصب دائم ، بل أشبه بعقد مؤقت قابل للفسخ في أي لحظة ، فالكاتب العام يصعد ، ثم يصبح قوياً ، ثم يعتقد أنه صار مستقلاً ، ثم يكتشف فجأة أن القوة التي صعدت به ، قادرة أيضاً على إسقاطه ، وغالباً، تفعل ذلك دون كثير من التردد.
التاريخ لا يعيد نفسه فقط، بل يسخر أيضاً
والطريف في كل هذا ، أن كل “حركة تصحيحية” تُقدَّم دائماً باعتبارها إنقاذاً للنقابة ، لكن بعد سنوات قليلة ، تتحول القيادة الجديدة نفسها إلى هدف لحركة تصحيحية أخرى ، وكأن النقابة تعيش في حالة “تصحيح دائم” لا ينتهي أبداً.
وبين كل تصحيح وتصحيح، تبقى الشغيلة تنتظر ، وتبقى المطالب الاجتماعية مؤجلة ،ويبقى الصراع الحقيقي داخل الغرف المغلقة ، لا في ساحات النضال.
وهكذا ، يستمر الاتحاد العام للشغالين نقابةً عريقة وتاريخاً طويلاً وتقليداً ثابتاً…
تقليد الإطاحة بالكاتب العام قبل أن يظن أنه أصبح كاتباً عاماً فعلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *