فاس …. حين يتحول المواطن إلى فاعل في مواجهة الجريمة

محمد نخيلة

في مشهد غير مألوف لكنه دالّ على تحولات عميقة داخل النسيج الحضري، شهدت مدينة فاس حادثة أثارت الكثير من التساؤلات، بعدما تمكن عدد من المواطنين، مساء الخميس، من توقيف شخص يشتبه في تورطه في جريمة قتل بحي الغول بمقاطعة أكدال، وذلك عقب محاولته التمويه عبر التنكر بلباس نسائي (نقاب) في منطقة بنسودة. الواقعة، التي انتهت بتدخل عناصر الأمن وتوقيف المعني بالأمر، تتجاوز في دلالاتها مجرد حادث عرضي، لتفتح نقاشًا أوسع حول الأمن، واليقظة المجتمعية، وحدود تدخل المواطن في الشأن الجنائي.
أول ما يلفت الانتباه في هذا الحادث هو عنصر “التمويه”، الذي يكشف عن تحول في أساليب بعض المشتبه فيهم، حيث لم يعد الهروب مقتصرًا على الاختباء أو الفرار، بل بات يشمل تقنيات تضليلية تعتمد على تغيير الهوية الظاهرية. هذا السلوك يعكس من جهة محاولة للإفلات من العدالة، ومن جهة أخرى يطرح إشكاليات أمنية مرتبطة بقدرة الأجهزة على التكيف مع أنماط جديدة من الجريمة الحضرية التي تتسم بالمرونة والمباغتة.
في المقابل، برز دور المواطنين بشكل لافت، إذ أبانت ساكنة حي الجديد ببنسودة عن مستوى عالٍ من اليقظة، حيث لم تمر التصرفات “غير العادية” للمشتبه فيه دون إثارة الانتباه. هذا التفاعل السريع يعكس ما يمكن تسميته بـ”الأمن التشاركي”، حيث يصبح المواطن عنصرًا مساعدًا في رصد السلوكيات المشبوهة، خاصة في ظل الضغط الذي تعرفه المدن الكبرى وتعقيداتها الاجتماعية.
غير أن هذا الدور، على أهميته، يطرح بدوره تساؤلات دقيقة: إلى أي حد يمكن للمواطن أن يتدخل دون أن يتحول إلى طرف في عملية قد تشكل خطرًا عليه أو على غيره؟ وهل نحن أمام حالة وعي مدني متقدم، أم نتيجة شعور ضمني بفراغ أمني يدفع الأفراد إلى تعويضه بشكل تلقائي؟ هنا يكمن التوازن الدقيق بين ضرورة التبليغ والتعاون مع السلطات، وبين مخاطر “العدالة الشعبية” التي قد تنزلق أحيانًا إلى ممارسات غير قانونية.
تدخل عناصر الأمن التابعة للدائرة الأمنية الرابعة عشرة بشكل سريع، ونقل المشتبه فيه إلى مقر المنطقة الأمنية، يعكس بدوره جاهزية المؤسسات الأمنية للتفاعل مع مثل هذه الحالات، كما يؤكد أن التنسيق بين المواطن والأمن يظل عنصرًا حاسمًا في ضمان النجاعة. غير أن التحدي الأكبر يظل في تعزيز الثقة المتبادلة، وتكريس قنوات تواصل واضحة تشجع المواطنين على التبليغ دون الانخراط المباشر في عمليات التوقيف.
من زاوية أوسع، تكشف هذه الواقعة عن تحولات سوسيولوجية تعيشها مدينة فاس، حيث تتقاطع التغيرات العمرانية مع تحديات اجتماعية وأمنية متزايدة. فالأحياء الشعبية والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، مثل بنسودة، تصبح فضاءات حساسة تتطلب مقاربات أمنية متعددة الأبعاد، لا تقتصر على التدخل الزجري، بل تشمل أيضًا الوقاية، والتأطير الاجتماعي، وتعزيز الإحساس بالأمان لدى الساكنة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن سياقه العام، فهو يعكس في الآن ذاته يقظة مجتمعية إيجابية، وتحديات أمنية حقيقية، وحاجة ملحة لإعادة التفكير في مفهوم الأمن كمسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع. فبين شجاعة المواطنين واحترافية الأجهزة الأمنية، يبقى الرهان الأكبر هو بناء منظومة متكاملة تضمن الأمن دون المساس بالقانون، وتُشرك المواطن دون أن تُحمّله ما يفوق طاقته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *