حميد ولست .
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في المغرب، لم يعد المعرض الدولي للفلاحة بمكناس مجرد فضاء لعرض الأبقار السمينة، والخرفان المستوردة، وآخر صيحات السقي بالتنقيط، بل أصبح أيضًا منصة رسمية لعرض نوع آخر من الإنتاج الوطني الخالص: “تبادل التهم بين الوزراء”.
ففي سابقة تستحق التسجيل ضمن التراث اللامادي للأغلبية الحكومية، تحوّل المعرض من مناسبة للاحتفاء بالأمن الغذائي إلى موسم سنوي لـ”الحرث السياسي”، حيث خرج مصطفى بايتاس ونزار بركة من حظيرة الانسجام الحكومي إلى مرعى السجال العلني، يتقاذفان الأرقام كما يتقاذف الفلاحون أكياس الشعير المدعّم.
التقادف الجديد الذي بدأ قديما حين قرر السيد نزار بركة، وهو وزير داخل الحكومة نفسها، أن يتحدث بلسان المواطن المصدوم، فكشف أن دعم استيراد الأغنام كلّف حوالي 13 مليار درهم، وأن بعض المستوردين حققوا أرباحًا فلكية من المال العام، وكأن الرجل اكتشف فجأة أن الخرفان ليست وحدها من تُسمّن في هذا البلد.
لكن السيد مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، لم يُعجبه هذا “الثغاء السياسي”، فخرج ليصحح القطيع الرقمي، مؤكداً أن الرقم الحقيقي لا يتجاوز 437 مليون درهم فقط، وأن الحديث عن 13 مليار ليس سوى اجتهادات “حطابي الليل”، أولئك الذين يجمعون الأرقام كما يجمع الأطفال الطوابع البريدية.
جميل.
لكن المواطن البسيط، الذي لم يعد قادراً حتى على شراء نصف كيلو لحم دون طلب قرض صغير من البنك، لا يهمه كثيراً إن كانت السرقة بـ437 مليون أو بـ13 مليار ، فالفرق بالنسبة له، بين الرقمين يشبه الفرق بين من يسرق بيتك بالكامل ومن يكتفي بسرقة الباب فقط.
السؤال الحقيقي ليس: هل الرقم صحيح أم لا؟ بل: لماذا تذكّر الجميع فجأة ضمائرهم الوطنية مع اقتراب الانتخابات؟
إذا افترضنا، حسن النية فقط، أن نزار بركة رجل نزيه، وصادق في دفاعه عن المواطن، فلماذا انتظر حتى موسم العدّ التنازلي الانتخابي ليكتشف أن هناك “منكرًا” في ملف دعم المواشي؟ لماذا لم يعلن موقفًا واضحًا حين رُفضت لجنة تقصي الحقائق؟ لماذا لم يستقل؟ أليس أضعف الإيمان في السياسة هو الاستقالة بدل الاكتفاء بالتصريحات الموسمية؟
أم أن الوطنية عند بعض السياسيين تشبه “الكسكس يوم الجمعة”، لا تظهر إلا في المناسبات؟
الوزير الذي يبقى داخل الحكومة، ويستفيد من دفء كراسيها، ثم يخرج فجأة ليتحدث بلسان المعارضة، يشبه ذلك اللص الذي يصرخ “امسكوا السارق!” وهو لا يزال يحمل المسروقات تحت جلبابه.
والأطرف من ذلك، أن بقية الوزراء دخلوا على الخط، فوزير التجارة يدعم، ورئيس مجلس النواب ينفي، والناطق الرسمي يصحح، حتى بدا الأمر وكأننا أمام فرقة موسيقية حكومية، كل واحد يعزف على مقام مختلف، بينما المواطن يرقص اضطرارًا على إيقاع الغلاء.
الحقيقة التي لا تحتاج لجنة تقصي حقائق هي أن المسؤولية مشتركة بين الأحزاب الثلاثة المشكلة للحكومة الحالية، وأن ما وصل إليه المواطن من اختناق معيشي ليس خطأ الطقس، ولا مؤامرة الكباش الأجنبية، بل نتيجة مباشرة لسياسات من يحكمون اليوم.
أما الشعب، فهو يتابع هذا السيرك السياسي من المدرجات، منتظرًا فقط يوم الحساب الحقيقي: صناديق الاقتراع…
طبعًا، إذا كانت صناديق الاقتراع نفسها لا تحتاج هي أيضًا إلى لجنة تقصي حقائق.