محمد جمال نخيلة
تعيش عدد من الأحياء الشعبية بمدينة فاس على وقع تنامٍ مقلق لظاهرة احتلال الملك العمومي، خاصة بالمجال الممتد بين الملحقة الإدارية سيدي بوجيدة والملحقة الإدارية باب الخوخة، حيث تحولت الأرصفة والممرات المخصصة للراجلين إلى فضاءات مكتظة بالباعة المتجولين والفراشة، في مشهد يومي يعكس حجم الاختلالات التي باتت تطبع تدبير الفضاء العام بالمدينة.
فالمنطقة القريبة من “مدار ة بندباب” والتي تعرف حركة مكثفة للمواطنين والسيارات والحافلات، أصبحت نموذجا صارخا للفوضى العمرانية والتجارية، بعدما فقدت الأرصفة وظيفتها الأساسية كممرات آمنة للراجلين، وأضحى المواطن مجبرا على النزول إلى قارعة الطريق ومزاحمة وسائل النقل،وعرقلة الولوج إلى أحياء الحي الحسني وكريان الحجوي وسط مخاطر حقيقية تهدد سلامته الجسدية بشكل يومي.
ولا يتعلق الأمر فقط بانتشار بعض الباعة المتجولين بشكل محدود، بل بتمدد عشوائي واسع حول أجزاء مهمة من الفضاء العمومي إلى ما يشبه سوقا مفتوحا يحتل الممرات والمداخل ومحيط عدد من المرافق العمومية،مثل دار الشباب والمستوصفات وغيرها الأمر الذي بات يعرقل السير العادي للمواطنين ويؤثر حتى على أداء بعض الإدارات والخدمات القريبة من المنطقة، سواء بسبب الاكتظاظ أو الفوضى أو الضجيج أو صعوبة الولوج.
ويؤكد عدد من المواطنين أن المشكل لم يعد ظرفيا أو موسميا، بل تحول إلى واقع دائم تتعايش معه الساكنة يوميا، في ظل غياب تدخلات فعالة وحازمة من الجهات المعنية. فكلما تم القيام بحملة محدودة تعود الأمور إلى ما كانت عليه بعد ساعات فقط، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول جدوى المقاربة المعتمدة في معالجة هذه الظاهرة التي أصبحت تؤرق الساكنة وتسيء إلى صورة المدينة.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن أحد أبرز أسباب تفاقم الوضع يعود إلى غياب التنسيق الميداني بين الملحقات الإدارية سيدي بوجيدة وباب الخوخة وبندباب ، إذ أصبحت مناطق التماس بين النفوذين الترابيين مجالا يستغله بعض الباعة للتمركز والإفلات من المراقبة، في غياب رؤية موحدة لتدبير المجال المشترك. وهو ما خلق نوعا من “الفراغ الإداري” الذي سمح باستفحال العشوائية وتحولها إلى أمر واقع.
الأخطر من ذلك أن احتلال الملك العمومي لم يعد مجرد إزعاج بصري أو عرقلة بسيطة لحركة المرور، بل أصبح له تأثير مباشر على السير العادي للمرافق العمومية ومحيط المؤسسات، حيث يجد المواطن صعوبة في التنقل أو الولوج إلى بعض الفضاءات بسبب الاكتظاظ والفوضى، فضلا عن حالات التوتر والمشاحنات اليومية التي تقع بين المارة وبعض الباعة نتيجة ضيق المساحات وانعدام التنظيم.
وفي الوقت الذي يدافع فيه البعض عن الباعة المتجولين باعتبارهم فئة تبحث عن لقمة العيش في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع نسب البطالة، فإن فعاليات مدنية وحقوقية تؤكد أن معالجة الملف لا يمكن أن تتم بمنطق الفوضى أو التغاضي، بل عبر إيجاد حلول اجتماعية وتنظيمية تحفظ كرامة البائع وحق المواطن في فضاء عمومي منظم وآمن في الآن نفسه.
فالمدينة اليوم ليست فقط في حاجة إلى حملات موسمية لتحرير الأرصفة، بل إلى رؤية شاملة لإعادة تنظيم التجارة غير المهيكلة، عبر تخصيص فضاءات قانونية ومهيأة للباعة المتجولين، وربط ذلك بصرامة حقيقية في منع احتلال الممرات والطرقات ومحيط المؤسسات العمومية.
كما أن استمرار هذا الوضع ينعكس سلبا على صورة فاس كعاصمة علمية وسياحية، خاصة وأن المناطق الشعبية تشكل جزءا أساسيا من النسيج الحضري للمدينة، وأي فوضى بها تترك انطباعا سلبيا لدى الزوار والسكان على حد سواء. فالرصيف ليس امتيازا خاصا لفئة دون أخرى، بل حق جماعي يجب أن يظل مفتوحا وآمنا للجميع.
ويجمع عدد من الفاعلين المحليين على أن استعادة هيبة الإدارة لا ترتبط فقط بتطبيق القانون، بل كذلك بفرض احترام الفضاء العام وحماية المرافق العمومية من العشوائية، لأن المدينة التي تفقد السيطرة على أرصفتها وممراتها تصبح مهددة بفقدان التوازن بين الحق في العمل والحق في العيش داخل فضاء حضري منظم.
وأمام هذا الواقع، تتعالى أصوات الساكنة مطالبة بتدخل عاجل من السلطات الولائية والمصالح الجماعية والأمنية من أجل وضع حد لهذا التسيب، عبر اعتماد مقاربة تجمع بين البعد الاجتماعي والحزم القانوني، بما يضمن إعادة الاعتبار للملك العمومي، وتحرير الأرصفة، وضمان حق المواطن في التنقل الآمن، بعيدا عن الفوضى والارتجال اللذين باتا يخنقان أحد أكثر المحاور الحيوية بمدينة فاس.