برلمانيون بعيدون عن الساكنة… حضور انتخابي موسمي وغياب تواصلي دائم

محمد جمال نخيلة

في كل محطة انتخابية تعود إلى الواجهة نفس الأسئلة المرتبطة بعلاقة عدد من البرلمانيين بدوائرهم الانتخابية، خصوصا أولئك الذين يقطنون بشكل دائم بالعاصمة الرباط أو بمدن كبرى أخرى، بينما يمثلون مدنا وأقاليم بعيدة تعيش على وقع مشاكل اجتماعية وتنموية معقدة. فبمجرد انتهاء الانتخابات، يختفي بعض المنتخبين عن الأنظار، ولا يعود حضورهم إلى الواجهة إلا مع اقتراب موعد استحقاقات جديدة، حيث تنطلق اللقاءات والزيارات والوعود من جديد، وكأن العلاقة مع المواطن مرتبطة فقط بصندوق الاقتراع لا بخدمة الصالح العام.
هذه الإشكالية أصبحت تثير استياءً متزايدا وسط الساكنة، خاصة في المدن التي تعاني الهشاشة وضعف البنيات التحتية وغياب فرص الشغل، إذ يشعر المواطن بأن من انتخبهم لا يعيشون واقعه اليومي، ولا يلامسون معاناته الحقيقية، بل يكتفون بتمثيل سياسي شكلي داخل قبة البرلمان دون أثر ملموس على أرض الواقع.
فالبرلماني الذي يقضي أغلب وقته بالعاصمة، وينقطع عن التواصل مع ناخبيه، يجد نفسه بعيدا عن التفاصيل الصغيرة التي تشكل جوهر معاناة السكان؛ من مشاكل النقل والصحة والتعليم إلى قضايا التعمير والبطالة وغلاء المعيشة. كما أن غياب التواصل المستمر يجعل المواطن يفقد الثقة في المؤسسات التمثيلية، ويعتبر أن بعض المنتخبين يستغلون أصوات المواطنين للوصول إلى مواقع النفوذ فقط.
وتبرز هذه الظاهرة بشكل أكبر في عدد من المدن المتوسطة والصغرى، حيث تتحول المكاتب البرلمانية إلى فضاءات مغلقة أو شبه معطلة، بينما تختفي اللقاءات التواصلية والخرجات الميدانية إلا في المواسم الانتخابية. ومع اقتراب أي استحقاق انتخابي، يبدأ الحراك السياسي من جديد، فتكثر الزيارات للأحياء الشعبية والدوواير، وتعود لغة القرب والإنصات والوعود التنموية، في مشهد يصفه كثيرون بأنه “موسمي” لا يعكس استمرارية العمل السياسي الحقيقي.
المثير في الأمر أن الساكنة لم تعد تكتفي بالشعارات والخطابات العامة، بل أصبحت تقارن بين المنتخب الذي يعيش وسط المواطنين ويتابع مشاكلهم بشكل يومي، وبين آخر لا يظهر إلا في الحملات الانتخابية أو المناسبات الرسمية. فالقرب من المواطن اليوم لم يعد مجرد حضور بروتوكولي، بل أصبح معيارا أساسيا للحكم على جدية المنتخب وصدقه السياسي.
ويرى متتبعون أن جزءا من الأزمة مرتبط بطريقة تدبير الأحزاب السياسية نفسها، التي تضع أحيانا اعتبارات النفوذ والمال والقدرة الانتخابية فوق معيار الارتباط الحقيقي بالمجال الترابي. لذلك نجد أسماء تترشح في مدن لا تقطن بها ولا تربطها بها علاقة يومية مستمرة، وهو ما يخلق نوعا من القطيعة بين الممثل والساكنة.
كما أن ضعف المحاسبة السياسية يساهم في استمرار الظاهرة، إذ نادرا ما تتم مساءلة البرلمانيين حول حصيلتهم التواصلية والتنموية داخل دوائرهم. فالمواطن غالبا لا يجد آليات واضحة لتقييم أداء ممثليه أو تتبع التزاماتهم الانتخابية، مما يفتح المجال أمام تكرار نفس الوجوه ونفس الممارسات.
إن الديمقراطية المحلية لا تقاس فقط بعدد الأصوات المحصل عليها، بل بمدى حضور المنتخب وسط المواطنين، وقدرته على الترافع الحقيقي عن قضاياهم، والاستماع لانشغالاتهم بعيدا عن الحسابات الضيقة والمصالح الانتخابية المؤقتة. فالمواطن اليوم أصبح أكثر وعيا، ولم يعد يقبل بسياسة “الظهور الموسمي”، بل ينتظر مسؤولين يعيشون تفاصيل المدينة كما يعيشها الناس يوميا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *