هل انطفأ “المصباح” أم هو الكهرباء الذي انقطع عن الفيسبوك ؟

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

مرة أخرى، اكتشف بعض السياسيين المغاربة تلك الحقيقة المؤلمة التي يرفض “اللايف المباشر” الاعتراف بها وهي أن : الانتخابات لا تُجرى داخل “الكومونتيرات”، بل داخل مكاتب التصويت.
فالناخب المغربي، ذلك الكائن الغامض الذي لا يعلق كثيرًا على “فيسبوك”، ولا يكتب منشورات طويلة تبدأ بـ”واش غير أنا اللي حاس…؟”، يبدو أنه ما زال يمارس هواية قديمة اسمها: الذهاب إلى صندوق الاقتراع.
ويا للمأساة ، اتضح أن “الهاشتاغ” ليس بطاقة ناخب ، وأن “اللايك” لا يحتسب ضمن الأصوات الصحيحة ، وأن مشاركة فيديو لبنكيران وهو يصرخ، لا تعني بالضرورة أن صاحب المشاركة سيستيقظ صباحًا ليصوت له.
الانتخابات الجزئية الأخيرة كانت بمثابة صفعة إلكترونية من العيار الثقيل ، ففي الوقت الذي كان فيه جيش “المجاهدين الرقميين” يعلن يوميًا سقوط الحكومة عبر منشورات نارية وتعليقات مليئة بالغضب والوعيد، كانت صناديق الاقتراع ترتكب “الخيانة الكبرى” وتمنح الفوز لأحزاب الأغلبية نفسها التي قيل إنها انتهت سياسيًا منذ سنوات ، حيث يبدو أن المواطن المغربي مارس هوايته المفضلة : الاستماع مساءً إلى محترفي الصراخ السياسي الذين كانوا يتصرفون وكأن المغرب كله تحول إلى “غرفة بث مباشر”، وأن الأمة تنتظر غير إشارة بنكيران لإسقاط الحكومة وإعادة “المصباح” إلى الواجهة، ثم التصويت ضده صباحًا.
والمفارقة أن الصناديق في المغرب لم تعد ، للأسف، تتفاعل مع “القفشات ولا تضحك منها كثيرا” ولا تمنحها حتى بعض نوبات التأثر العاطفي ، حيث غدت الصناديق كائنات باردة، لا تهتم بعدد المشاهدات، بل بعدد من ارتدى حذاءه وخرج فعلاً للتصويت.
المشكلة الأكبر ليست فقط في الهزيمة الانتخابية، بل في ذلك الانفصال العجيب عن الواقع ، بين من يعيش داخل المغرب جسدً ، لكنه سياسيًا وعاطفيًا يقيم إقامة دائمة في قضايا تبعد آلاف الكيلومترات ، يغضب لكل شيء إلا حين يتعلق الأمر بالمغرب.
حيث تراه يملأ الدنيا صراخًا إذا وقع حادث في أقصى المشرق، ويحوّل حسابه إلى نشرة حرب عالمية، ويكتب بيانات نارية، ويقود المظاهرات، ويوزع تهم الخيانة على الجميع…
لكن حين تسقط مقذوفات على السمارة المغربية، فجأة يدخل في “صيام سياسي”، ويختفي الصوت ، بل وتتبخر الحماسة ، ويصاب مناضلوه الإلكترونيون بحالة غريبة من “فقدان الشبكة الوطنية” ، وكأن الوطنية عند بعضهم تشتغل بنظام “التجوال الدولي” :تلتقط الإشارة خارج الوطن فقط.
لا أحد ضد التضامن مع قضايا العالم، فالإنسانية ليست جريمة ، لكن الغريب أن يتحول الوطن عند بعض السياسيين إلى آخر اهتماماتهم، بينما تصبح كل القضايا البعيدة مادة يومية للاستثمار العاطفي والانتخابي ، ثم بعد كل هذا، يتساءلون ببراءة الأطفال:
لماذا لا يصوت لنا المغاربة؟”
ربما لأن المواطن البسيط فهم شيئًا مهمًا هو : من لا يسمع نبض وطنه، لن يسمع صوت الناخب أيضًا.
أما الدرس الحقيقي لهذه الانتخابات، فهو أن الفيسبوك ليس المغرب ، وأن الضجيج الإلكتروني لا يصنع دائمًا وزنًا انتخابيًا ، وأن السياسة، مهما تغيرت الوسائل، تبقى لعبة تحسمها الأرض لا الشاشة.
وربما لهذا السبب اكتشف البعض أن “المصباح” لم ينطفئ داخل الصندوق فقط ، بل انقطع عنه الضوء خارج الفيسبوك أيضًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *