عاد ملف الحسابات البنكية المهملة إلى واجهة النقاش من جديد، بعدما كشف جواب رسمي لوزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، عن معطيات قانونية مهمة تهم آلاف الزبناء الذين وجدوا أنفسهم أمام ديون وفوائد متراكمة بسبب حسابات بنكية توقفوا عن استعمالها منذ سنوات.
القضية التي كانت تثير استياء عدد من المواطنين، خاصة بعد توصلهم بمطالبات مالية مفاجئة، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حدود مسؤولية الأبناك وحقوق الزبناء، في ظل استمرار بعض المؤسسات البنكية في احتساب صوائر وفوائد على حسابات شبه “ميتة” لم تُسجل بها أي حركة لمدد طويلة.
ووفق التوضيحات الرسمية، فإن المادة 503 من مدونة التجارة، بعد تعديلها بالقانون رقم 134.12، لا تسمح باستمرار الحساب البنكي المدين بشكل مفتوح إلى أجل غير محدد. إذ يفرض القانون على المؤسسة البنكية الشروع في مسطرة إغلاق الحساب إذا توقف الزبون عن استعماله لمدة سنة كاملة ابتداءً من آخر عملية دائنة مسجلة به.
المقتضى القانوني المذكور يضع حداً لما يسميه كثير من المتضررين بـ”الصوائر الصامتة”، أي الرسوم البنكية التي تستمر في التراكم دون علم الزبون، لتتحول مع مرور الوقت إلى مبالغ مالية تثقل كاهله بشكل مفاجئ.
وتنص المسطرة القانونية على أن البنك ملزم بإشعار الزبون قبل إغلاق الحساب، وذلك عبر رسالة مضمونة تُرسل إلى آخر عنوان مصرح به لدى الوكالة البنكية، مع منحه مهلة ستين يوماً من أجل تأكيد رغبته في الاحتفاظ بالحساب أو التخلي عنه.
وفي حال عبّر الزبون عن رغبته في الإبقاء على الحساب مفتوحاً، فإنه يتحمل تلقائياً تبعات ذلك، بما فيها الصوائر والفوائد المرتبطة بالحساب المدين. أما إذا لم يصدر عنه أي رد داخل الأجل المحدد قانوناً، فإن الحساب يعتبر مغلقاً بقوة القانون، ولا يحق بعد ذلك تحميله فوائد أو مصاريف إضافية كان يفترض أن تتوقف بمجرد إتمام مسطرة القفل.
هذا التفسير القانوني أعاد ترتيب العلاقة بين الأبناك والزبناء، حيث لم يعد المواطن وحده مسؤولاً عن تتبع حساباته القديمة، بل أصبحت المؤسسة البنكية مطالبة كذلك باحترام مساطر التبليغ والتتبع والتقيد بالآجال القانونية قبل الاستمرار في فرض أي رسوم مالية.
وفي المقابل، منح القانون للزبناء وسائل للدفاع عن حقوقهم في حال وقوع تجاوزات. إذ أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية أن المادة 159 من القانون البنكي رقم 103.12 تتيح لأي متضرر من ممارسات مؤسسة ائتمان تقديم شكاية مباشرة إلى بنك المغرب، باعتباره الجهة المكلفة بمراقبة القطاع البنكي وتتبع شكايات الزبناء المتعلقة بحماية المستهلك المالي.
ويرى متابعون أن هذا الملف يتجاوز مجرد نزاع حول حسابات بنكية قديمة، ليطرح إشكالية أعمق مرتبطة بثقة المواطنين في المؤسسات المالية، خاصة عندما تتحول حسابات منسية إلى التزامات مالية متراكمة دون تواصل واضح أو إشعار فعلي.
ويشدد مختصون على أهمية احتفاظ الزبناء بكشوفاتهم البنكية وتتبع وضعية حساباتهم بشكل دوري، مع ضرورة المطالبة بوثائق تثبت تاريخ آخر عملية بنكية، وتاريخ الإشعار، والطريقة التي تم بها التبليغ، تفادياً لأي نزاعات مستقبلية قد تتحول إلى عبء مالي وقانوني غير متوقع.
وبين واجب اليقظة المفروض على المواطن، ومسؤولية الأبناك في احترام القانون، تبدو المادة 503 اليوم بمثابة آلية قانونية جديدة تهدف إلى وضع حد لفوضى الحسابات المهملة، وحماية الزبناء من تراكم رسوم قد تتحول مع الزمن إلى “قنبلة مالية” مؤجلة.