حين تصبح المحبة مرهونة بالمال والواجهة

 بدر شاشا 

في هذا الزمن الذي تغيّرت فيه الموازين، وأصبحت فيه القيم تُقاس بالأرقام لا بالمواقف، صار الإنسان يعيش داخل دوامة غريبة. دوامة تجعل المحبة مرتبطة بما تملك، لا بما أنت عليه. لم يعد السؤال: من أنت؟ بل أصبح: ماذا تملك؟ وماذا ترتدي؟ وأين تسكن؟ ومع من تجلس؟

في الحي، في الشارع، في المقاهي، وحتى داخل البيوت، بدأت ملامح جديدة تظهر على العلاقات. العائلة التي كانت رمز الدفء، أصبحت أحيانًا تُقاس بدرجة القدرة على الدعم المالي. الأصدقاء الذين كانوا سندًا في الضيق، صار بعضهم يختفي حين يختفي المال. والزوجة التي كانت شريكة حياة، قد تُختبر اليوم بميزان المظاهر لا بميزان العِشرة. والجيران الذين كانت بينهم القهوة والخبز والنية الصافية، صار بينهم التحيين الصامت والمقارنة الخفية: من اشترى؟ من سافر؟ من تغيّر؟

يا سي أحمد… يا سي بدر… يا سي خليد… يا من تمرّون في الحي وتظنون أن الدنيا ما زالت كما كانت، اعلموا أن شيئًا ما انكسر في النفوس. لم يعد الفقير يُرى كما كان يُرى من قبل، بل أصبح يُقرأ من خلال ما يلبس لا ما يقول. ولم يعد الغني يُحترم دائمًا لكرمه، بل أحيانًا يُتبع فقط لما يملك.

لكن الغريب في هذا كله، أن القلب المغربي ما زال يقاوم. رغم كل هذا التبدل، ما زال هناك من يفتح الباب بلا حساب، من يقدم كأس شاي بلا انتظار مقابل، من يقول “تفضل” بصدق لا تصنع فيه. ما زال هناك من يرى الإنسان قبل الحساب البنكي، ومن يزن العلاقات بالنية لا بالرصيد.

غير أن الضغط كبير. المجتمع اليوم يجرّ الناس نحو الاستعراض. اللباس أصبح لغة، الهاتف أصبح رسالة، والسيارة أصبحت عنوانًا للوجود الاجتماعي. حتى الصمت أصبح يُفهم بشكل خاطئ: إذا لم تُظهر، اعتُبرت غائبًا، وإن لم تُشارك، اعتُبرت ناقصًا.

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية: حين يبدأ الإنسان في فقدان ذاته ليُرضي صورة المجتمع عنه. فيركض خلف ما لا يحتاج، ويترك ما يحتاجه فعلًا: الصدق، الراحة، الطمأنينة، والعلاقات النقية.

في الدار، في الزنقة، في القهوة الشعبية، ما زالت الحكايات تُروى عن زمن كان فيه الجار أخًا، والصديق سندًا، والعائلة حصنًا. زمن لم يكن فيه السؤال عن “شنو لابس؟” بل “واش كولشي بخير؟”. زمن كانت فيه الدرهم وسيلة لا معيارًا للإنسان.

اليوم، صرنا أمام اختبار صعب: هل نبقى أسرى لهذه “الدرجة” الجديدة التي تقيس الإنسان بما يملك؟ أم نحاول استرجاع تلك البساطة التي كانت تجعل القلوب أقرب من الحسابات؟

الحقيقة أن المال ضروري، ولا أحد ينكر ذلك، لكنه حين يتحول إلى ميزان للحب والاحترام، يفقد الإنسان شيئًا من إنسانيته، ويفقد المجتمع شيئًا من روحه.

يا سي أحمد، يا سي بدر، يا سي خليد… الدنيا تبدلت، نعم، لكن القلب إذا بقى صافٍ، يقدر يعيد التوازن. يمكن نعيشوا في عصر السرعة والمظاهر، لكن ما زال ممكن نخلقوا لحظات صدق، ولو قليلة، ترجع لنا الإحساس الحقيقي بالناس كمغربي أرى كل شيء يمشي ويصلح بالمال والمعارف والوساطة 

 ليس المهم ما نملك، بل كيف نعيش مع ما نملك. وليس المهم كيف يرانا الناس، بل كيف نبقى نحن في أعين أنفسنا.

هذه هي الدرجة المغربية الحقيقية: أن تبقى إنسانًا، رغم كل شيء حب الله أفضل من حب الإنسان 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *