حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي
الصحة الجيدة ليست نتيجة عنصر واحد بعينه، بل هي حصيلة توازن دقيق بين عوامل متعددة؛ منها الوراثي والجيني، ومنها النفسي والسلوكي والغذائي. فجسم الإنسان لا تبنيه الأطعمة وحدها، وإنما يبنيه أيضًا نمط العيش، وطريقة التفكير، ومقدار الحركة، وجودة النوم، والاعتدال في كل شيء.
ومع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، يعود الجدل القديم المتجدد حول استهلاك شحوم الأضاحي، خاصة “الشحمة ديال الغنمي”، التي ظلت عبر أجيال طويلة جزءًا أصيلًا من المائدة المغربية، بل ومن الذاكرة الجماعية أيضًا.
وأعترف، دون مواربة، أنني كنت وما زلت من عشاقها منذ الطفولة، أستطيب مذاقها –في “سكسو وفي الطاجين “وأشتهيها “بولفاف”كلما سنحت الفرصة، رغم ما يرافق ذلك من انتقادات الأهل وتحذيرات المعارف، الذين لا يفتؤون يربطون بين تناول الشحوم الحيوانية وبين ارتفاع الكوليسترول، وأمراض القلب، وتصلب الشرايين.
غير أن هذه المخاوف تدفعني دائمًا إلى طرح سؤال بسيط:
إذا كانت الشحوم الحيوانية شرًّا خالصًا، فكيف عاش أجدادنا عقودًا طويلة وهم يستهلكونها بكثرة، في “الخليع”، و”الخبزة المدفونة”، و”الملاوي بالشحمة”، و”البطبوط”، والطواجن، والسمن البلدي، دون أن تتحول حياتهم إلى سلسلة من الأزمات الصحية كما يحدث اليوم؟
لقد كانت الشحوم، في نظر الأجيال السابقة، مصدرًا مهمًا للطاقة والقوة، وعنصرًا أساسيًا في التغذية، خاصة لدى من يبذلون مجهودًا بدنيًا كبيرًا في الفلاحة والرعي والأعمال الشاقة.
ومن هنا بدأت رحلة البحث عن حقيقة هذه الشحوم: هل هي فعلًا أصل الداء كما يُشاع؟ أم أن المشكلة تكمن في طريقة الاستهلاك ونمط العيش الحديث؟
من الناحية الدينية، نجد أن القرآن الكريم أشار إلى تحريم شحوم بعض الأنعام على اليهود عقوبةً لهم، في قوله تعالى:”وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُون” .
والذي يفهم منه أن التحريم لم يكن بسبب ضرر ذاتي في تلك الشحوم، بل كان عقوبة وحرمانًا من بعض الطيبات.
أما من الناحية العلمية، فالصورة أكثر تعقيدًا مما يروج له أحيانًا. فالأبحاث الحديثة لا تعتبر الشحوم الحيوانية سُمًّا مطلقًا، لكنها تؤكد في المقابل أن الإفراط في تناول الدهون المشبعة، خاصة مع قلة الحركة وكثرة السكريات والأطعمة المصنعة، قد يرفع من مخاطر أمراض القلب والشرايين لدى بعض الأشخاص.
وفي المقابل، فإن كثيرًا من الأغذية الصناعية الحديثة، كالزيوت المهدرجة والدهون المتحولة المستعملة في المخبوزات والوجبات السريعة، تُعد أكثر خطورة على الصحة من الدهون الطبيعية التقليدية، بسبب تأثيرها السلبي المؤكد على القلب والأوعية الدموية.
وهكذا، تبدو المشكلة الحقيقية ليست في “الشحمة” وحدها، بل في غياب التوازن الغذائي عمومًا، وفي الإفراط وسوء نمط الحياة.
فالقاعدة الذهبية التي لا يختلف حولها اثنان تبقى:
“لا إفراط ولا تفريط”.
ذلك أن الشحوم، كغيرها من الأطعمة، قد تكون نافعة إذا استُهلكت باعتدال، داخل نظام غذائي متوازن، مصحوب بالحركة والنوم الجيد والعناية بالصحة، وقد تتحول إلى مصدر ضرر إذا أُفرط فيها أو اجتمعت مع الخمول والإفراط الغذائي.
ولعل أبلغ ما يلخص الأمر كله، ذلك المعنى العميق الذي حمله القول المأثور:
“البطنة تُذهب الفطنة”.
فليس الطعام وحده من يمرض الإنسان، بل اختلال التوازن في حياته كلها.