نكات العيد ، أوحين يصبح “الحولي” مشروعًا استثماريًا!

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في المغرب، لم يعد عيد الأضحى مناسبة دينية فقط، بل تحول عند كثير من الأسر إلى موسم للرعب الاقتصادي، واختبار سنوي قاسٍ للقدرة على النجاة الاجتماعية بأقل قدر ممكن من الإحراج.
فبمجرد اقتراب العيد، تدخل فئات واسعة من المغاربة في حالة طوارئ مالية غير معلنة: قروض صغيرة، سلفات عائلية، بيع هواتف، تأجيل أداء الكراء، واختفاء مفاجئ لبعض الآباء من الحي تفاديًا لأسئلة الأطفال: “بابا إمتى غادي نشريو الحولي؟”
أما “الحولي” نفسه، فقد انتقل رسميًا من خانة الأضحية إلى خانة “الأصول النادرة”، وصار ثمنه أقرب إلى سعر بقعة أرضية منه إلى ثمن خروف مسكين لا يعرف أصلًا لماذا يحدق فيه الناس بهذا الاهتمام القاتل.
في الماضي، كان المغاربة يسألون عن سلالة الخروف ، أما اليوم فيسألون عن إمكانية الأداء بالتقسيط، وعدد الأشهر بدون فوائد!
حيث أنه مع كل موسم عيد، ترتفع أسعار الأضاحي بشكل يجعل المواطن يشعر أن “الشناقة” لم يعودوا يبيعون الأكباش، بل يبيعون أسهمًا في البورصة.
وسط هذا العبث، لا يجد المغاربة سوى النكتة سلاحًا أخيرًا للمقاومة النفسية ، لأن النكتة عند الفقراء ليست ترفًا، بل جهاز تنفس اصطناعي.
ولهذا تنتعش في الأحياء الشعبية والمقاهي وصفحات التواصل الاجتماعي موجة هائلة من السخرية السوداء التي تختصر وجع الناس أكثر مما تفعله نشرات الأخبار وتقارير الخبراء، حتى أن نكتة واحدة لخّصت الوضع ببلاغة شعبية مذهلة حين قالت إحدى السيدات لجارتها: “زغرتي يا رحمة… هاد العيد اللي جا أقبح من اللي مشا!”
أما النكتة الأكثر تداولًا هذه الأيام، فهي عن مواطن ذهب إلى السوق يبحث عن “حولي” يناسب قدرته الشرائية، فسأله “الشناق”: جهد أشح بغيتي الحولي ؟” قال:
— “بشي40 ألف.” فأجابه الشناق:— “واش بغيتي الحولي للعيد، ولا غير تصور معاه؟”
والطريف أن هذه النكات، رغم بساطتها، تكشف حجم الاختناق الاجتماعي أكثر من ألف خطاب سياسي.
فالمغربي قد يسخر من كل شيء، لكنه حين يحوّل معاناته إلى ضحك، فاعلم أن الوجع بلغ مرحلة خطيرة.
ومع ذلك، يبقى هذا الشعب قادرًا على إنتاج الابتسامة وسط الأزمات، وكأنه يرفض الاستسلام الكامل للهزيمة النفسية.
لذلك، فالنكتة المغربية ليست مجرد “تقشاب” عابر، بل شكل شعبي من أشكال الاحتجاج الناعم، ووسيلة للدفاع عن الحد الأدنى من التوازن العقلي في زمن صار فيه شراء “حولي” يحتاج أحيانًا إلى دراسة جدوى وموافقة لجنة القروض!
وفي النهاية، قد ينجح الغلاء في رفع أسعار الأضاحي، لكنه لن ينجح أبدًا في ذبح روح السخرية عند المغاربة… ذلك لأن الشعب الذي يضحك وسط القهر، أخطر بكثير مما يعتقد البعض.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *