حين يُمنع الميت من الدفن… هل بدأ المجتمع يفقد آخر ما تبقى من إنسانيته؟

محمد جمال نخيلة

أثارت الواقعة المتداولة بإقليم الرشيدية، والمتعلقة بمنع دفن سيدة بسبب خلاف قبلي بين جماعتين، موجة واسعة من الصدمة والاستياء داخل الرأي العام المغربي، بعدما تحولت لحظة يفترض أن تكون عنواناً للتضامن الإنساني والتراحم، إلى مشهد مؤلم أعيدت فيه الجثة إلى منزل أسرتها بعد تعذر دفنها في المقبرة التي قصدتها العائلة.
وإذا كانت بعض المعطيات المتداولة لا تزال تحتاج إلى توضيحات رسمية دقيقة، فإن مجرد حدوث مثل هذا السلوك أو تداوله بهذا الشكل، يكشف عن أزمة عميقة تتجاوز حدود نزاع محلي أو خلاف قبلي عابر، لتطرح سؤالاً مخيفاً حول التحولات القيمية التي بدأت تتسلل إلى المجتمع المغربي، حتى باتت تمس حرمة الموتى التي ظلت عبر التاريخ خطاً أحمر لا يُمس.
فالإنسان، مهما اختلف مع غيره، ومهما اشتدت النزاعات بين القبائل أو العائلات أو الجماعات، كان يجد في الموت لحظة تنطفئ فيها الأحقاد وتُدفن معها الخصومات. بل إن التاريخ العربي والإسلامي، حتى في فترات الحروب والاقتتال، ظل يحفظ للموتى هيبتهم وكرامتهم، وكانت الجنائز مناسبة للمصالحة وتغليب صوت الرحمة على منطق الانتقام.
ما وقع ـ أو ما تم تداوله ـ بإقليم الرشيدية، المعروف بأهله الطيبين وبتقاليدهم الراسخة في الكرم والتآزر والتضامن، لا يمكن اعتباره مجرد حادث عابر، بل هو ناقوس خطر حقيقي يدق بقوة، لأن الأمر يتعلق بانهيار تدريجي لمنظومة أخلاقية وإنسانية شكلت لسنوات طويلة جوهر الشخصية المغربية القائمة على “الستر”، و”الفزعة”، واحترام الكبير والصغير والميت قبل الحي.
إن أخطر ما في هذه الواقعة ليس فقط إعادة جثمان امرأة إلى بيت أهلها بسبب رفض دفنها، بل الرسالة القاسية التي تتركها في النفوس، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة، حين تصبح العصبية والانتماءات الضيقة أقوى من الدين والأعراف والرحمة.
فأي صورة ستترسخ في ذهن طفل شاهد أو سمع أن امرأة حُرمت من القبر بسبب خلاف بين البشر؟ وأي معنى سيبقى لقيم التضامن والتسامح إذا تحولت المقابر نفسها إلى مجال للصراع؟
المجتمع المغربي اليوم في حاجة حقيقية إلى وقفة تأمل جماعية، ليس فقط لإدانة مثل هذه السلوكات، بل لإعادة الاعتبار لمنظومة القيم التي كانت تجعل من المغاربة نموذجاً في التراحم والتكافل. كما أن النخب الدينية والثقافية والمدنية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالتصدي لخطابات التعصب والانغلاق، والعمل على ترسيخ ثقافة الإنسان قبل القبيلة، والرحمة قبل الخلاف.
فالقبائل والعائلات والجماعات وجدت لتنظيم حياة الناس، لا لتقسيم حتى موتهم، والميت لا يجب أن يتحول أبداً إلى ضحية لصراعات الأحياء.
رحم الله الفقيدة، وألهم أهلها الصبر، وحفظ المجتمع المغربي من كل انحدار يمس جوهر إنسانيته وقيمه الأصيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *