حميد طولست. كاتب ساخر وناقد اجتماعي
يبدو أن المعجزة السياسية التي انتظرها المغاربة طويلا قد حدثت أخيرا…فبعد سنوات من التعامل مع الأمازيغية وكأنها “خطأ مطبعي” في الهوية المغربية، خرجت إحدى قياديات حزب “اللامبة” في فيديو طويل تتحدث بالأمازيغية بحماس من اكتشف لتوه كنزا أثريا مدفونا تحت مقر الحزب! سبحان مبدّل الأحوال: الأمازيغية التي كانت بالأمس عندهم مجرد “شينويا” لا تصلح إلا للسخرية والتندر السياسي، أصبحت اليوم لغة مقدسة انتخابيا، تُستعمل في الفيديوهات والخطب والابتسامات المصطنعة، تماما كما تُستعمل التوابل الرخيصة لإخفاء رائحة طبق سياسي فاسد. فجأة تذكّر الحزب أن في المغرب شعبا أمازيغيا ، وفجأة اكتشف أن هناك لغة رسمية اسمها الأمازيغية ، وفجأة صار يتحدث عن الهوية والثقافة وكأنه كان طوال السنوات الماضية عضوا سريا في الحركة الثقافية الأمازيغية! أيها السادة ، قليل من الحياء فقط. فهذا هو نفس الحزب الذي قضى سنوات وهو يضع العصا في عجلات تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ونفس الحزب الذي تعامل مع القانون التنظيمي 26.16 كما يتعامل موظف كسول مع ملف قديم: تسويف، تأجيل، فرملة، ثم رمي في الرف حتى يعلوه الغبار ، حيث كانت الأمازيغية في عهدهم تتحرك داخل المؤسسات بسرعة السلحفاة المصابة بالروماتيزم ، أما حرف تيفيناغ، فقد كانوا ينظرون إليه وكأنه مؤامرة كونية تهدد الأمن الروحي للدولة، لا مجرد حرف أصيل من ذاكرة هذا الوطن ، أما الاحتفال برأس السنة الأمازيغية فقد كان عند بعضهم أخطر من الأزمة الاقتصادية والبطالة وارتفاع الأسعار مجتمعة! لكن السياسة عندنا لا تعرف المستحيل ، فعندما اقتربت الانتخابات، نزل الوحي الانتخابي فجأة: فتحولت الأمازيغية من “خطر إيديولوجي” إلى “كنز انتخابي”، ومن عبء ثقافي إلى موسم حصاد سياسي ، وتحدثوا بالأمازيغية ، ليست بقناعة ، لكن لأن الأصوات هناك ، ولإنها فقط لغة جديدة لطلب الأصوات! هم لا يدافعون عن الأمازيغية حبا فيها، بل خوفا من صناديق الاقتراع ، ولا يتحدثون بها إيمانا بحقوق أهلها، بل لأنهم أدركوا أن المغرب تغيّر، وأن قطار الوعي الهوياتي انطلق ولن يعود إلى محطة الإنكار القديمة. المثير للسخرية حقا أن الحزب الذي كان يعتبر الأمازيغية تفصيلا مزعجا داخل الوطن، أصبح اليوم يزين بها خطاباته أمام الكاميرات، وكأن شيئا لم يكن. وكأن يمكن “فورماتاج” ذاكرة المغاربة ببفيديو انتخابي يتحدث المازيغية! لكن المغاربة ليسوا بهذا القدر من السذاجة ، ولأن الشعوب التي ناضلت لعقود من أجل لغتها وثقافتها لا تنسى بسهولة من وقف ضدها، ولا يمكن أن تنخدع ببضع كلمات أمازيغية محفوظة على عجل قبل موسم الانتخابات. لقد تاجروا لسنوات بالقضايا العاطفية الكبرى، ورفعوا الشعارات حيث توجد المصلحة، واليوم جاء دور الأمازيغية لتتحول هي الأخرى إلى سلعة انتخابية موسمية. لكن يبدو أن هناك من نسي المثل الأمازيغي القديم: “سنغكم أجدا ورتا إكشيم رمضان” ، أي باختصار شديد: ليس كل مرة ينجح فيها نفس الخداع ، وليس كل من ارتدى قناع الهوية صار مؤمنا بها. حميد طولست. كاتب ساخر وناقد