حميد طولست باحث وناقد اجتماعي
أخطر ما قد يصيب مسؤولي الأندية الرياضية ليس فقط العجز المالي أو ضعف النتائج، بل الاعتياد على إدارة الأزمات بالصمت، والتعايش مع الفشل كأنه قدر لا مفر منه. حين يصبح تكرار المعاناة أمراً عادياً، وتتحول لغة “نحن بخير” إلى قناع يخفي أعطاباً عميقة، يبدأ الانهيار الحقيقي للأندية العريقة من الداخل، حتى وإن بدا كل شيء مستقراً في الظاهر. ذلك تماماً ما يعيشه اليوم نادي الوداد الفاسي، أحد الأسماء التي شكّلت جزءاً أصيلاً من ذاكرة الكرة الفاسية والوطنية، قبل أن يجد نفسه غارقاً في دوامة النجاة، موسماً بعد آخر، يصارع الهبوط أكثر مما يحلم بالعودة إلى مكانته الطبيعية بين الكبار. فما يمر به “الواف” لم يعد مجرد تعثر تقني أو أزمة نتائج عابرة، بل أصبح عنواناً لأزمة بنيوية مركبة، تتداخل فيها اختلالات التسيير مع ضعف الرؤية الرياضية وغياب مشروع واضح المعالم. فالفريق الذي لم يحصد سوى نقطتين في مبارياته الأخيرة، لا يعيش مجرد فترة فراغ، بل يدفع ثمن سنوات من التدبير الارتجالي والسياسات قصيرة النفس التي استنزفت النادي مادياً ومعنوياً. إن اقتراب الفريق من شبح النزول لا يمكن اختزاله في أخطاء المدرب أو محدودية بعض اللاعبين فقط، بل يطرح سؤالاً جوهرياً حول المسؤولية الحقيقية لمن يقودون النادي منذ سنوات دون أن ينجحوا في بناء مشروع قادر على إخراج الفريق من عقلية “البقاء” إلى ثقافة المنافسة والطموح. فمن غير المقبول أن يظل فريق بحجم وتاريخ الوداد الفاسي مجرد رقم إضافي في القسم الثاني، بينما أندية حديثة العهد أصبحت تمتلك من الجرأة والطموح ما يؤهلها لمنافسة الكبار. لقد أصبح واضحاً أن الأزمة أعمق من مجرد نتائج سلبية، فهي أزمة فكر إداري قبل أي شيء آخر. إدارة تكتفي كل موسم بإطفاء الحرائق بدل بناء منظومة احترافية، وتتعامل مع النادي بمنطق تدبير اللحظة بدل التخطيط للمستقبل، ما جعل الفريق يدخل في حلقة مفرغة تتكرر فيها نفس الأخطاء ونفس الوعود ونفس النهايات المخيبة ، ونفس الخلل البنيوي الذي انعكس بشكل مباشر على التركيبة البشرية للفريق، حيث تحولت الانتدابات إلى مجرد حلول ترقيعية تفتقر للرؤية التقنية الدقيقة، التي جاءت بلاعبين لا يملكون لا الشخصية الكروية ولا الروح القتالية القادرة على تحمل ضغط المنعطفات الحاسمة. ما جعل سقف أحلام الجماهير ينخفظ من حلم الصعود واستعادة الأمجاد إلى مجرد التضرع من أجل ضمان البقاء ، حيث لم تعد جماهير “الواف”، الوفية رغم سنوات المعاناة، تطالب بالمعجزات، بل فقط بإدارة تمتلك الشجاعة للاعتراف بالأعطاب الحقيقية، وبمشروع رياضي واضح يعيد الاعتبار لفريق يستحق أفضل بكثير من هذا الواقع المؤلم. فاستمرار نفس الأساليب ونفس العقليات لن يؤدي إلا إلى تعميق الجراح، وربما دفع النادي نحو مصير أكثر قسوة قد يضعه في غياهب أقسام الهواة، وهو سيناريو سيكون وصمة عار في ذاكرة كل من فرّط في هذا الإرث الرياضي العريق. إن إنقاذ الوداد الفاسي اليوم لم يعد ترفاً أو مطلباً عاطفياً، بل ضرورة تاريخية تفرض ثورة حقيقية تبدأ من الإدارة قبل المستطيل الأخضر، عبر ضخ دماء جديدة بعقلية احترافية واستثمارية، وبناء مشروع رياضي متكامل يعيد للفريق هويته وهيبته. لأن الأندية العريقة لا تموت فجأة، بل تنهار تدريجياً حين تتعايش مع الفشل وتفقد القدرة على الحلم. انقاد الوداد الفاسي ليس مطلباً عاطفياً، بل ضرورة تاريخية.