حميد طولست. كاتب ساخر و ناقد جتماعي.
بإمكان كل متأمل في طقوس عيد الأضحى بالمغرب أن يلاحظ حجم التشبث الكبير الذي يكنّه المغاربة لهذا العيد، أكثر من غيره من الأعياد الأخرى، حتى صار يُعرف شعبيًا بـ”العيد الكبير”، تبجيلًا له وتمييزًا لمكانته الخاصة في الوجدان الجماعي المغربي. ويظهر هذا الارتباط القوي من خلال مظاهر الاستعداد المكثف لاستقباله، حيث تدخل الأسر المغربية، على اختلاف مناطقها وعاداتها، في حالة استنفار جماعي تسبق العيد بأيام، بل بأسابيع أحيانًا. ورغم تنوع التقاليد بين المدن والقرى، فإنها تكاد تتوحد حول محور أساسي: إعداد مائدة العيد بكل ما تحمله من رمزية اجتماعية وذاكرة جماعية وروائح طفولة لا تُنسى. فما إن يقترب العيد حتى تنطلق رحلة اقتناء التوابل واللوازم الضرورية لتحضير أطباقه الشهية؛ من “بولفاف”، و”الكباب”، و”الدوارة”، و”المبخر”، و”المروزية”، و”المحمر”، إلى “كسكس بلحم الرأس” الذي يحتل مكانة خاصة في ما يسمى بـ”ثالث العيد”. وتتسابق ربات البيوت نحو الأسواق لاختيار أجود أنواع التوابل المغربية والشرقية، من الإبزار والكامون و”رأس الحانوت” و”قاع قلة” والقزبور والخرقوم والسكنجبير وغيرها، رغم الارتفاع المهول الذي تعرفه أسعارها مع اقتراب المناسبة، لأنها تظل المكون السحري الذي يمنح للمطبخ المغربي نكهته الفريدة ومذاقه الذي لا يُقاوم. وكانت لحظات إعداد “القضبان” من الكبد والشحمة والقلب والطحال، المشوية على الفحم، والمرفوقة بالشاي المغربي المنعنع وخبز الدار، تشكل بالنسبة لكثير من الأسر المغربية طقسًا احتفاليًا بامتياز، تختلط فيه رائحة الشواء بحرارة اللقاء العائلي ودفء الألفة وصلة الرحم. غير أن العيد، الذي كان في جوهره مناسبة روحية وإنسانية للتقرب إلى الله وتعزيز قيم التضامن والتكافل، بدأ يفقد شيئًا من معناه العميق وسط موجة استهلاكية مفرطة، اختزلت أحيانًا فلسفة الشعيرة في كثرة اللحوم وإسالة الدماء والتباهي بالمظاهر. ففي الوقت الذي كانت فيه الأضحية رمزًا للطاعة والتقوى والامتثال لقيم سيدنا إبراهيم عليه السلام، أصبح بعض الناس يتعاملون مع العيد وكأنه مهرجان مفتوح للأكل المفرط والشواء العشوائي والفوضى البيئية، غير آبهين بما يرافق ذلك من أضرار صحية وسلوكات تفتقد إلى أبسط شروط النظافة والوعي. وقد ساهمت التحولات الاجتماعية الحديثة في تغيير كثير من طقوس العيد القديمة؛ فمشهد رب الأسرة وهو يذبح الأضحية ويقوم بتقطيعها بيده داخل البيت، بدأ يتراجع تدريجيًا لصالح الاستعانة بالجزارين أو التوجه نحو المجازر البلدية تحت إشراف الأطباء البياطرة، بينما ما تزال فئات واسعة تصر على الحفاظ على الطقوس التقليدية كما ورثتها عن الآباء والأجداد. ومع انتشار أمراض العصر، كالسكري وارتفاع الضغط والكوليسترول وأمراض القلب، أصبحت بعض الأسر تفضل اقتناء الماعز أو الأبقار بدل الخرفان، اعتقادًا منها بأنها أقل ضررًا على الصحة، غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن دائمًا في نوع اللحم بقدر ما تكمن في الإفراط وسوء العادات الغذائية وقلة الحركة. فالعلم الحديث يؤكد أن الشواء المبالغ فيه واحتراق اللحوم قد يؤدي إلى إنتاج مركبات مضرة بالصحة، كما أن الإفراط في استهلاك الدهون واللحوم الحمراء، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، قد يرفع من بعض المخاطر الصحية، بينما يبقى الاعتدال هو القاعدة الذهبية التي لا يختلف حولها اثنان. لقد كان العيد في ذاكرة المغاربة القديمة مناسبة للفرح الجماعي، وصلة الرحم، والتكافل، والسكينة الروحية، قبل أن يتحول لدى البعض إلى سباق استهلاكي مرهق، يرهق الجيوب والأجساد معًا. ويبقى أجمل ما في “العيد الكبير” ليس كثرة اللحوم، ولا وفرة الموائد، بل تلك اللحظات الإنسانية الصادقة التي تجتمع فيها العائلة حول مائدة واحدة، بقلوب متقاربة ونفوس مطمئنة، حيث يكون للعيد معناه الحقيقي: عيدُ تقوى ومحبة، لا عيدُ شراهة ومظاهر.. وعيدكم مبارك سعيد، مليئ بالفرح واليُمن والبركات والسلام والأمان وكل عام وأنتم بخير!