حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
هذا العام، اخترت أنا وزوجتي أن نعيش عيد الأضحى بطريقة مختلفة. فبدل شراء الكبش الأقرن السمين، والانغماس في طقوس الشواء والولائم وما يرافقها من استعدادات مرهقة، قررنا أن نقضي العيد خارج الوطن، ضيوفًا على ابنتنا واصهارنا بالقاهرة، تلك المدينة التي لا تشبه إلا نفسها، والتي تُلقَّب بحق بـ”أم الدنيا”.
ولم يكن القرار سهلاً، لأن عيد الأضحى في الوجدان المغربي ليس مجرد مناسبة عابرة، بل طقس اجتماعي وروحي متجذر في الذاكرة الجماعية، تختلط فيه مشاعر العبادة بفرحة العائلة وروائح الشواء وأطباق “البولفاف” و”القديد” و”الدوارة” وغيرها من تفاصيل المطبخ المغربي التي تمنح العيد نكهته الخاصة.
لكن رغبتنا في اكتشاف تجربة مختلفة، والوقوف على خصوصية المجتمع المصري في تعامله مع هذه المناسبة، كانت أقوى من إغراءات المائدة ، والتي اكتشفت معها ومنذ اللحظة الأولى أن القاهرة لا تختلف فقط بمعالمها التاريخية وأهراماتها وأسواقها الصاخبة، بل أيضًا بطريقة تعامل جزء كبير من مجتمعها مع شعيرة الأضحية.
ففي مدينة مكتظة بالسكان، محدودة المجال، يصعب فيها على ملايين الناس ممارسة الذبح التقليدي كما يحدث في مجتمعات أخرى، برزت منذ سنوات فكرة “صك الأضحية”، وهي صيغة تقوم على توكيل مؤسسات وجمعيات مختصة بشراء الأضاحي وذبحها وتوزيع لحومها على الأسر المحتاجة في مختلف المحافظات المصرية، وفق الضوابط الشرعية المعتمدة من الأزهر ودار الإفتاء المصرية، والبعيدة عن “لفراقشية” و”الشناققة”.
وقد أثارت هذه التجربة اهتمامي، ليس فقط لأنها توفر حلاً عمليًا وصحيًا، بل لأنها تعيد توجيه فلسفة العيد نحو جوهرها الإنساني والاجتماعي، بدل اختزالها أحيانًا في مشاهد الاستهلاك المفرط والتباهي وكميات اللحوم والدخان والضجيج.
إن امتناعي عن الذبح المباشر هذا العام لا يعني رفضي لشعيرة عيد الأضحى أو التقليل من قيمتها الروحية العميقة، المرتبطة بقصة سيدنا إبراهيم وابنه عليهما السلام، بما تحمله من معاني الطاعة والتضحية والإيمان. على العكس تمامًا، فأنا أؤمن بأن جوهر هذه الشعيرة أسمى بكثير من اختزالها في مجرد عملية ذبح واستهلاك للحوم.
المشكل، في نظري، لا يكمن في العيد نفسه، بل في بعض المظاهر والسلوكيات التي أصبحت ترافقه، والتي تُفرغ المناسبة من أبعادها الروحية والتربوية، وتحولها أحيانًا إلى فوضى بيئية وصحية واجتماعية ، فكم من أحياء تتحول بعد الذبح إلى فضاءات للنفايات والروائح الكريهة ومخلفات الأضاحي الملقاة في الأزقة والشوارع؟ وكم من أسر تثقل كاهلها الديون فقط لمجاراة العادات الاجتماعية؟
لقد وجدت في تجربة “صك الأضحية” المصرية نموذجًا يستحق التأمل ، والفكرة لا تلغي الشعيرة، بل تنظمها وتمنحها بعدًا تضامنيًا أوسع ، وهي تجربة تشبه، من حيث المبدأ، ما يحدث في المملكة العربية السعودية خلال موسم الحج، حين يُنيب الحجاج الجهات المختصة للقيام بالذبح والتوزيع وفق تنظيم دقيق ومحكم.
ولعل المغرب، وهو يواجه اليوم تحديات اقتصادية وبيئية واضحة، بحاجة إلى التفكير بهدوء وجرأة في صيغ جديدة لممارسة هذه الشعيرة، تحفظ مقاصدها الدينية والإنسانية، وتقلل في الوقت نفسه من الفوضى والهدر واستنزاف الثروة الحيوانية.
إن استلهام التجارب الناجحة لا يعني التخلي عن الهوية أو التقاليد، بل يعني القدرة على تطويرها بما يخدم الإنسان والمجتمع. ولو تم اعتماد نموذج مؤسساتي شفاف وموثوق للأضاحي، بعيدًا عن المضاربات والوسطاء والانتهازيين، من “فراقشية ” و”شناقة” لأمكن تحويل جزء كبير من هذه المناسبة إلى مشروع تضامن اجتماعي حقيقي، يضمن وصول اللحوم إلى المحتاجين طوال السنة، ويحافظ في الآن نفسه على البيئة والثروة الحيوانية.
فالعيد، في جوهره، ليس مناسبة لإراقة الدماء فقط، بل فرصة لإحياء قيم الرحمة والتكافل والتضحية بمعناها الإنساني النبيل. وربما نكون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في حاجة إلى إعادة اكتشاف هذه المعاني.