حميد طولست .كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
لم يعد طائر اللقلق مجرد كائن موسمي يبني أعشاشه فوق الأعمدة والأسطح، بل أصبح مدرسة سياسية قائمة الذات و مدرسة لها منظروها وخبراؤها وفقهاؤها، وأبرز دروسها: كيف تدّعي الدفاع عن المواطن دون أن تتورط في فعل شيء من أجله ، و من آخر فصول هذا الإبداع السياسي ما قدمته السيدة حليمة الزومي –المستشارة الجماعية بفاس وعضوة اتحاد العام للشغالين بالمغرب-وهي تشرح للمغاربة لماذا امتنع حزب الاستقلال عن التصويت على مقترح قانون تسقيف أسعار المحروقات. وبصراحة، بعد قراءة التبريرات، لم يعد أمامنا سوى الاعتراف بأننا أمام مستوى متقدم من “التبلارجيت السياسية”، ذلك الفن الراقي الذي يجعلك تبدو بطلاً وأنت تهرب من المعركة، ومصلحاً وأنت ترفض الإصلاح، ومدافعاً عن القدرة الشرائية وأنت تمتنع عن التصويت على ما قد يخفف من معاناة أصحابها.
لقد أكد الحزب أنه ضد الجشع ، وضد الأرباح الفاحشة ، وضد الاحتكار ، وضد الممارسات غير المشروعة ، وضد التضخم ، وضد كل ما يزعج المواطن. لكن عندما وصل إلى صندوق التصويت، أصيب فجأة بحالة نادرة من الحساسية السياسية، جعلته يفضل الامتناع على المواجهة ، إنها رياضة جديدة تستحق الإدراج ضمن الألعاب الأولمبية: “القفز فوق صندوق التصويت” ، رياضة تعتمد على الاقتراب من القرار إلى أقصى حد، ثم القفز فوقه في اللحظة الأخيرة مع المحافظة على ملامح البطولة والنضال والمسؤولية الوطنية ، أما الحجة الأولى، فتستحق أن تُدرّس في معاهد الفلسفة السياسية تحت عنوان: “الفرق بين النار والدخان بينما البيت يحترق” ، فالحزب، كما قيل لنا، يفرق بين تسقيف الأسعار وتسقيف هوامش الربح ، والمواطن بدوره يفرق بين الكلام والفعل ، المواطن لا يملأ خزان سيارته بهوامش الربح ، ولا يدفع فاتورة النقل بالتوازنات الماكرو اقتصادية ، ولا يشتري قنينة غاز بواسطة المؤشرات المالية الدولية. المواطن يدفع ثمناً مرتفعاً، وهذه هي الحقيقة الوحيدة التي يراها كل صباح ، أما الحديث عن أن الأسعار مرتبطة بالسوق الدولية، فهو اكتشاف مذهل لم يكن المغاربة يعلمونه! وكأن أحداً طالب بتسعير النفط في كوكب المريخ أو ربطه بأسعار التمر في تافيلالت ، الجميع يعرف أن الأسعار مرتبطة بالسوق الدولية، لكن السؤال هو: ماذا فعلتم أنتم لحماية المواطن من آثار تلك التقلبات؟ هنا يبدأ الصمت، وتبدأ التبلارجيت ، ثم نصل إلى الحجة الثانية المتعلقة بصندوق المقاصة. وهنا يبدو الأمر وكأن مقترح القانون كان يدعو إلى توزيع براميل البنزين مجاناً على المواطنين مع هدايا موسمية وعمرة مجانية لكل من يملأ خزان سيارته مرتين في الأسبوع ، بينما الحقيقة أن النقاش يدور حول إيجاد آليات للحد من الانفلات السعري. لكن في قاموس فقه الامتناع الوطني، كل محاولة لحماية المستهلك تتحول فجأة إلى مؤامرة ضد الميزانية ، أما حماية أرباح الشركات الكبرى فلا تعتبر أبداً تهديداً للتوازنات المالية ، وعندما وصلت السيدة الزومي إلى الحديث عن “الاستهداف الانتخابوي”، شعرت للحظة أننا أمام حزب معارض مطارد من قبل السلطة ، ثم تذكرت فجأة أن الحزب عضو أساسي في الحكومة ، وهنا تظهر إحدى عجائب السياسة المغربية: أن تشتكي من نتائج سياسات أنت شريك في تدبيرها ، وأن تندد بالوضع الذي ساهمت في إنتاجه ، وأن تقدم نفسك ضحية وأنت جالس على كرسي المسؤولية ، إنها موهبة لا يتقنها إلا كبار محترفي التبلارجيت. أما أروع ما في النص كله فهو الحديث عن الجشع ، فالجشع حاضر في كل فقرة ، والأرباح الفاحشة حاضرة في كل سطر ، والاحتكار حاضر في كل جملة ، حتى يخيل للقارئ أن الحزب يخوض حرب تحرير وطنية ضد مصاصي الدماء الاقتصاديين ، لكن ما إن يصل إلى صندوق التصويت حتى يتحول ذلك الأسد الزائر إلى حمامة سلام ،يختفي الزئير ، تبقى البيانات ، ويظل الجشع حياً يرزق ، ولو كان الجشع شخصاً حقيقياً لبعث اليوم رسالة شكر إلى أصحاب هذا الموقف، وقدم لهم وسام الاستحقاق في حماية الأرباح المريحة ، أما تحميل المسؤولية لمن حرر الأسعار قبل سنوات، فهو أشبه بسائق حافلة يقود المركبة منذ مدة طويلة، ثم يصرخ في الركاب قائلاً: “لا تلوموني على الحفرة ، من حفرها هو السائق السابق!” جميل ، لكن من يقود الحافلة الآن؟ ومن يملك المقود؟ ومن يملك الفرامل؟ ومن يطلب منا الصبر كلما اهتزت العربة؟ الخلاصة أن المغاربة اكتشفوا من خلال هذه الواقعة مدرسة سياسية جديدة تستحق التسجيل ضمن التراث اللامادي للمملكة: مدرسة “فقه الامتناع الوطني” ،فقه يقوم على قاعدة ذهبية بسيطة: إذا كان القرار شعبياً فامتنع ، إذا كان القرار مثيراً للجدل فامتنع ، إذا كان القرار قد يزعج أصحاب المصالح فامتنع ، ثم اخرج بعد ذلك لتشرح للناس أن الامتناع كان في الحقيقة أعلى درجات الشجاعة السياسية.
وهكذا يعود المثل المغربي ليؤكد عبقريته الخالدة: “جا بلارج يبوس ولدو عوّرو”. أما النسخة السياسية الحديثة منه فقد أصبحت :”جا بلارج يحمي القدرة الشرائية… فامتنع عن التصويت عليها.” :::