حميد طولست .كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
ليست الحياة معركة نخوضها ضد الآخرين، ولا رحلة نلقي فيها بكل أعبائنا على أنفسنا ، فالحكمة الحقيقية تكمن في تحقيق التوازن بين فهم ذواتنا وفهم من يحيط بنا، وبين منح الآخرين مكانتهم المستحقة في حياتنا دون أن نسمح لهم بالعبث بسلامنا الداخلي.
فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يتأثر بمحيطه كما يؤثر فيه، ولا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الناس أو أن يكون محصناً دائماً ضد كلماتهم ومواقفهم وسلوكهم ، غير أن النضج يقتضي أن نُحسن اختيار دوائرنا الإنسانية، وأن نضع حدوداً واضحة تحمي كرامتنا النفسية من العلاقات السامة التي تستنزف أرواحنا وتبدد طاقاتنا ، فكثيراً ما نُهدر أعمارنا في محاولة إصلاح من لا يريد الإصلاح، أو في السعي لإثبات قيمتنا لمن لا يرغب في رؤيتها ، عندها يصبح التجاهل حكمة، ويغدو الاهتمام ثروة لا ينبغي إنفاقها إلا على من يستحقها.
لكن بناء العلاقات الصحية لا يكتمل إلا ببناء علاقة أعمق مع الذات ،فكم من إنسان انشغل بمراقبة الآخرين وتقييم أخطائهم ، وأهمل مراجعة نفسه ومساءلتها عن وجهتها الحقيقية ، فأخطر ما قد يواجهه المرء عندها ، ليس هو كثرة الانشغالات، بل أن تمضي به السنوات دون أن يجلس مع نفسه جلسة صدق واحدة، يراجع فيها أفكاره وقراراته وعلاقاته وأهدافه.
فالخلوة مع الذات ليست انسحاباً من الحياة، بل عودة واعية إليها ، ولحظة تتوارى فيها الأقنعة وتسقط المبررات، وتظهر الحقيقة في صورتها المجردة، التي تحعل الإنسان اكتشاف أخطاءه، وتصحيح مساره، واعادة ترتيب أولوياته قبل أن يصبح الرجوع أكثر صعوبة ، لأن مراجعة الذاتية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لكل من يريد أن يعيش حياة متوازنة وذات معنى.
ومن علامات الحكمة أيضاً أن يتعلم الإنسان من تجارب غيره، فالعمر أقصر من أن يكفي لتجريب كل شيء ، لذلك كان العقلاء يقتبسون من حياة الآخرين دروساً تختصر عليهم سنوات من المعاناة والتجربة ، فالنجاح لا يكمن في ارتكاب جميع الأخطاء ثم التعلم منها، بل في تجنب كثير منها عبر التأمل في تجارب السابقين والاستفادة من حكمتهم.
إن الحياة الواعية تبدأ حين نتصالح مع أنفسنا، ونمنح كل شخص مكانه الحقيقي في حياتنا، ونحسن التمييز بين من يستحق القرب ومن يستحق التجاهل ، وحين نجعل من مراجعة الذات عادة دائمة، ومن التعلم من الآخرين منهجاً مستمراً، نصبح أكثر قدرة على حماية سعادتنا، وأكثر استعداداً لصناعة حياة متزنة يسودها السلام الداخلي والرضا العميق في لحظات الصدق مع الذات التي تبدأ معها أعظم التحولات، في حسن اختيار العلاقات تتجلى أسمى صور الحكمة الإنسانية.