بدر شاشا _ الجديد بريس
يشكل الإصلاح الإداري أحد أكبر التحديات التي تواجه المغرب في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، فنجاح أي نموذج تنموي لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات أو المشاريع الكبرى، بل بوجود إدارة عمومية فعالة، سريعة، شفافة، وقادرة على خدمة المواطن والمستثمر بالكفاءة المطلوبة. ورغم الجهود المبذولة خلال السنوات الأخيرة في مجال الرقمنة وتبسيط المساطر، فإن عدداً من الاختلالات لا تزال تؤثر على جودة المرفق العمومي وتحد من فعاليته.ومن أبرز هذه الاختلالات استمرار البيروقراطية في عدد من الإدارات، حيث يواجه المواطن مساطر طويلة، وتأخيراً في معالجة الملفات، وتكراراً في طلب الوثائق، رغم أن أغلبها متوفر لدى مؤسسات الدولة. كما أن تفاوت جودة الخدمات بين إدارة وأخرى يخلق شعوراً بعدم المساواة، إذ قد يحصل المواطن على خدمة في ساعات داخل إدارة معينة، بينما ينتظر أياماً أو أسابيع داخل إدارة أخرى لإنجاز الخدمة نفسها.ويبرز أيضاً ضعف التنسيق بين الإدارات العمومية، الأمر الذي يجعل المواطن مطالباً بالتنقل بين المؤسسات وجمع الوثائق بدل أن تتبادل الإدارات المعلومات فيما بينها عبر أنظمة رقمية موحدة. ويؤدي هذا الوضع إلى هدر الوقت والجهد، ويزيد من تكلفة الخدمات الإدارية على المواطنين والمقاولات.كما يطرح موضوع تقييم الأداء نفسه بقوة، إذ لا يزال عدد من الموظفين والمسؤولين لا يخضعون لمؤشرات دقيقة تقيس جودة العمل وسرعة الإنجاز ومدى رضا المرتفقين، وهو ما يجعل التحفيز والمساءلة أقل ارتباطاً بالإنتاجية والنتائج.ويعتبر ضعف الرقمنة الشاملة من بين التحديات الأخرى، فبعض الخدمات أصبحت متاحة إلكترونياً، بينما لا تزال خدمات أخرى تعتمد بشكل كبير على الوثائق الورقية والحضور الشخصي، مما يقلل من فعالية التحول الرقمي ويحد من الاستفادة الكاملة منه.ويرى متابعون أن الإصلاح الإداري الحقيقي يتطلب الانتقال من إدارة تعتمد على الإجراءات إلى إدارة تعتمد على النتائج، وذلك من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد تقييم دوري للأداء، وتحفيز الموظفين الأكفاء، ومواصلة التكوين المستمر في مجالات الرقمنة والتواصل وخدمة المرتفقين.
كما أن توحيد قواعد العمل بين مختلف الإدارات، وربط قواعد البيانات الوطنية، وإلغاء مطالبة المواطن بالوثائق التي تمتلكها الدولة أصلاً، من شأنه أن يقلص زمن إنجاز المعاملات ويعزز ثقة المواطنين في الإدارة العمومية.
ويظل الاستثمار في الموارد البشرية عنصراً أساسياً في أي إصلاح، لأن التكنولوجيا مهما بلغت من تطور لا يمكن أن تحقق أهدافها دون موظفين مؤهلين، يمتلكون الكفاءة وروح المسؤولية، ويؤمنون بأن خدمة المواطن هي جوهر الوظيفة العمومية.إن الإدارة المغربية تمتلك اليوم فرصة حقيقية للانتقال إلى مرحلة جديدة، تقوم على الرقمنة الشاملة، والشفافية، والسرعة، والنجاعة، وربط الأداء بالمحاسبة. فكل إصلاح إداري ناجح سينعكس مباشرة على تحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، ورفع جودة الخدمات العمومية، وترسيخ ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.ولذلك، فإن الإصلاح الإداري لم يعد مجرد ورش تقني، بل أصبح مشروعاً استراتيجياً لبناء إدارة عصرية تجعل المواطن في صلب اهتماماتها، وتعتبر جودة الخدمة العمومية معياراً أساسياً لنجاحها، لأن الإدارة القوية والعادلة والفعالة هي أحد أهم أعمدة الدولة الحديثة والتنمية المستدامة.