حميد طولست.كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
كلما اجتاحت أوروبا موجة حر، وبدأت وسائل الإعلام تتحدث عن وصول درجات الحرارة إلى 44 درجة مئوية، يتعامل كثير من الناس عندنا مع الخبر بشيء من السخرية والاستخفاف، معتبرين أن هذا الرقم لا يستحق كل ذلك القلق، مادامت مدن مغربية مثل فاس ومراكش وتارودانت تسجل كل صيف درجات حرارة تتجاوز ذلك، بل قد تلامس 50 درجة مئوية أحيانًا.
غير أن هذا الحكم، وإن بدا منطقيًا من حيث الأرقام، يفتقد إلى فهم طبيعة الإحساس بالحرارة والعوامل التي تجعلها محتملة في مكان، وخانقة في مكان آخر.
فالحرارة ليست مجرد رقم يظهر على شاشة الهاتف أو في نشرات الأرصاد الجوية، وإنما هي تجربة معيشة تتداخل فيها عوامل كثيرة، منها الرطوبة، وسرعة الرياح، وطبيعة العمران، ومواد البناء، ومدى تكيف السكان مع المناخ، بل وحتى درجات الحرارة أثناء الليل.
في مدن مثل فاس أو مراكش، ورغم قسوة الصيف، فإن المناخ الجاف يساعد الجسم على التخلص من الحرارة عبر التعرق، إذ يتبخر العرق بسرعة، فيمنح إحساسًا نسبيًا بالانتعاش، خاصة في الأماكن الظليلة أو جيدة التهوية. كما أن سكان هذه المدن اعتادوا عبر الأجيال على هذا النمط المناخي، فطوروا سلوكًا يوميًا يتلاءم معه، فتقل الحركة خلال ساعات الذروة، وتؤجل كثير من الأنشطة إلى الصباح الباكر أو المساء.
وليس هذا فحسب، بل إن جزءًا مهمًا من التراث المعماري المغربي صُمم أصلًا للتعامل مع الحرارة المرتفعة. فالرياضات والمنازل التقليدية في المدن العتيقة، بجدرانها السميكة المبنية بالطين أو الحجر، وفناءاتها الداخلية ونوافيرها، كانت تمثل نظامًا طبيعيًا للتبريد قبل ظهور أجهزة التكييف بقرون.
أما في عدد من المدن الأوروبية، وخاصة باريس، فإن الوضع مختلف تمامًا.
فباريس لم تُبنَ لمواجهة موجات حر تصل إلى 40 أو 44 درجة مئوية، بل صُممت أساسًا لمقاومة البرد. لذلك نجد أن نسبة انتشار أجهزة التكييف في المنازل ظلت، إلى وقت قريب، محدودة مقارنة بالدول ذات المناخ الحار، كما أن كثيرًا من المباني التاريخية المشيدة خلال القرن التاسع عشر لا تتوفر أصلًا على أنظمة تبريد.
وتزداد المعاناة داخل وسائل النقل، خصوصًا في بعض محطات ومترو الأنفاق، حيث تحتفظ الأنفاق والمواد الحجرية بالحرارة لساعات طويلة، فيتحول التنقل نفسه إلى مصدر للإجهاد الحراري.
لكن العامل الأخطر غالبًا لا يكون نهارًا، وإنما ليلًا.
فعندما لا تنخفض درجات الحرارة خلال الليل بما يكفي، تبقى المباني محتفظة بحرارتها، فلا يجد الجسم فرصة لاستعادة توازنه والتخلص من الإجهاد الذي تعرض له طوال النهار. ولهذا تؤكد السلطات الصحية في أوروبا أن الليالي الحارة المتكررة تعد من أخطر أسباب الوفيات المرتبطة بموجات الحر، خاصة بين كبار السن والمرضى والأطفال.
ومن واقع تجربة شخصية عشتها في باريس، أستطيع القول إن حرارة 44 درجة هناك كانت أكثر إرهاقًا بالنسبة إلي من حرارة أعلى سجلتها مدن مغربية عديدة. ليس لأن الشمس أشد، وإنما لأن البيئة المحيطة كلها تجعل الإحساس بالحرارة أكثر قسوة: مبانٍ غير مهيأة، وقلة وسائل التبريد، وليالٍ لا تمنح الجسم فرصة للراحة، وسكان لم يعتادوا مثل هذه الظروف المناخية الاستثنائية.
ولهذا فإن مقارنة حرارة المدن بالأرقام وحدها تبقى مقارنة مضللة.
فلهذا السبب لا تكتفي هيئات الأرصاد الجوية بالإعلان عن درجة الحرارة المقاسة فقط، بل تقدم أيضًا ما يسمى بـ”الحرارة المحسوسة”، وهي مؤشر يجمع بين درجة الحرارة الفعلية والرطوبة وسرعة الرياح والإشعاع الشمسي وغيرها من العوامل التي تحدد كيف يشعر الإنسان بالحرارة في الواقع.
ومن هنا يبرز سؤال بسيط، لكنه بالغ الدلالة: أي الرقمين يعبر عن الحقيقة؟ درجة الحرارة المسجلة، أم درجة الحرارة التي يشعر بها الإنسان؟
في الواقع، كلاهما صحيح، لكن لكل واحد منهما وظيفة مختلفة. فالأولى تقيس حرارة الهواء بأجهزة علمية موحدة، أما الثانية فتقيس الأثر الحقيقي لهذه الحرارة على جسم الإنسان. ولذلك قد تكون 44 درجة في مدينة ما أخطر صحيًا وأكثر إنهاكًا من 46 أو حتى 48 درجة في مدينة أخرى.
إن موجات الحر ليست مسابقة في تسجيل الأرقام القياسية، وإنما هي اختبار لقدرة المدن على التكيف، ولجاهزية بناها التحتية، ولمدى استعداد سكانها للتعامل مع ظروف مناخية أصبحت أكثر تطرفًا بفعل التغيرات المناخية.
لذلك، قبل أن نسخر من خبر يتحدث عن 44 درجة في باريس، يجدر بنا أن نتذكر أن الحرارة لا تُقاس بالأرقام وحدها، وإنما بما تتركه من أثر على الإنسان. فالطقس ليس رقمًا على شاشة، بل إحساسٌ، وتجربةٌ، وقد يكون الفارق بينهما أحيانًا مسألة صحة أو حياة.