إعداد: بدر شاشا
في سياق التحولات العميقة التي يعرفها التدبير العمومي، وتزايد حجم البرامج الحكومية والمشاريع التنموية والاستثمارات العمومية، يبرز اليوم تصور إصلاحي يقوم على إحداث وزارة خاصة للرقابة الشاملة، تكون مهمتها الأساسية تتبع كل ما يتعلق بالمالية العامة للدولة، من مداخيل ومصاريف، إلى تنفيذ المشاريع، وتقييم البرامج، ومراقبة النجاعة في الإنفاق العمومي والوظيفي.
إن هذه الوزارة المقترحة لا تكون وزارة تقليدية تشتغل ضمن قطاع محدود، بل مؤسسة سيادية رقابية عابرة للقطاعات، وظيفتها الأساسية هي ضمان الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوحيد منظومة تتبع المال العام داخل جهاز واحد قوي ومركزي يعتمد على الرقمنة والتحليل الفوري للمعطيات.
فمن جهة أولى، تتولى هذه الوزارة تتبع الميزانية العامة للدولة بشكل لحظي، من خلال نظام رقمي موحد يربط جميع الإدارات والمؤسسات العمومية، بحيث يتم تسجيل كل عملية مالية، سواء تعلق الأمر بالمداخيل الجبائية أو الرسوم أو التحويلات أو النفقات. هذا التتبع الفوري يسمح برؤية واضحة ودقيقة لحركة المال العام في كل لحظة، ويمنع أي اختلالات أو تأخير في المراقبة.
ومن جهة ثانية، تضطلع هذه الوزارة بمهمة مراقبة تنفيذ المشاريع العمومية، من مرحلة التخطيط إلى الإنجاز، مع تقييم مدى احترام الآجال، وجودة الأشغال، وتكلفة الإنجاز مقارنة بالميزانية المرصودة. كما تعمل على كشف أي تعثر أو تبذير أو انحراف في تنفيذ البرامج، مما يساهم في رفع النجاعة وتقليص الهدر العمومي.
كما يشمل دور هذه الوزارة تتبع الإنفاق الوظيفي داخل الإدارات العمومية، من حيث الأجور، التعويضات، التنقلات، واستعمال الموارد البشرية، مع تحليل مدى الإنتاجية والفعالية. فالهدف ليس فقط المراقبة، بل تحسين الأداء الإداري وربط الإنفاق بالإنتاجية الحقيقية.
ومن بين الجوانب المهمة أيضاً، مراقبة استهلاك وسائل الدولة، مثل الوقود، والسيارات الإدارية، ومصاريف الإصلاح والصيانة. حيث يتم تتبع كل سيارة تابعة للإدارة عبر أنظمة رقمية تعتمد على GPS وسجلات استهلاك دقيقة، بما يضمن عقلنة استعمال الممتلكات العمومية والحد من أي استغلال غير مبرر.
إن هذه الوزارة يمكن أن تشكل ركيزة أساسية في محاربة الهدر والفساد الإداري، ليس عبر المقاربة الزجرية فقط، بل عبر الوقاية والمراقبة المستمرة والتحليل الذكي للبيانات. فكل معطى مالي أو إداري يصبح قابلاً للتتبع اللحظي، مما يخلق بيئة شفافة يصعب فيها وقوع الاختلالات دون كشفها.
كما أن إحداث هذه المؤسسة سيساهم في تعزيز الثقة بين المواطن والدولة، لأن المواطن سيشعر بأن المال العام يخضع لمراقبة دقيقة ومنظمة، وأن كل درهم يتم إنفاقه يخضع لمنظومة تتبع ومحاسبة واضحة. وهذا من شأنه أن يعزز مصداقية السياسات العمومية ويقوي العدالة في توزيع الموارد.
ولإنجاح هذا المشروع، لا بد من الاعتماد على الرقمنة الكاملة، وربط جميع الوزارات والمؤسسات بنظام معلوماتي موحد، يعتمد على الذكاء الاصطناعي في التحليل والتتبع، إضافة إلى تقارير دورية شفافة، مع استقلالية قوية لهذه الوزارة حتى تتمكن من أداء مهامها دون تأثيرات سياسية أو إدارية.
كما يجب أن تكون هذه الوزارة مرتبطة بالمؤسسات الدستورية للمراقبة، ولكن مع صلاحيات تنفيذية وتحليلية أكبر، تجعلها قادرة على التدخل المبكر عند رصد أي اختلال أو تبذير في المال العام. إحداث وزارة خاصة للرقابة الشاملة على المال العام والمشاريع والموارد العمومية يمثل خطوة استراتيجية نحو تحديث الدولة وتعزيز الحكامة الجيدة، ويجعل من التدبير العمومي منظومة دقيقة وشفافة وفعالة، تقوم على الرقمنة، والمحاسبة، والنجاعة، وتضع مصلحة المواطن في قلب كل السياسات العمومية.