فالضريبة ليست مجرد مبلغ مالي يؤديه المواطن، بل هي مساهمة في بناء المدارس والمستشفيات والطرق والموانئ وشبكات الماء والكهرباء، وفي دعم الأمن والعدالة والنقل العمومي ومختلف الخدمات التي يستفيد منها الجميع. لذلك، فإن الالتزام بالتصريح الصحيح وأداء الضرائب المستحقة يعزز مبدأ التضامن الوطني ويحقق العدالة بين أفراد المجتمع.
ورغم التطور الذي عرفه النظام الجبائي المغربي، ما تزال بعض الأنشطة الاقتصادية تمارس خارج دائرة التصريح القانوني، سواء بسبب نقص الوعي بأهمية الامتثال الضريبي، أو تعقيد بعض المساطر، أو الرغبة في تجنب أداء الضرائب. ويؤدي ذلك إلى الإضرار بمبدأ المنافسة الشريفة، حيث يجد الملتزمون أنفسهم في وضعية أقل تنافسية مقارنة بمن يحققون أرباحًا دون تحمل نفس الالتزامات.
إن ثقافة الامتثال الضريبي لا تقوم فقط على المراقبة والعقوبات، بل تعتمد أيضًا على بناء الثقة بين الإدارة الجبائية والملزمين، وتبسيط الإجراءات، وتوسيع الخدمات الرقمية، وتوفير المعلومة القانونية بشكل واضح، حتى يصبح التصريح الضريبي ممارسة طبيعية تعكس روح المواطنة والمسؤولية.
كما أن تعزيز هذه الثقافة يتطلب مشاركة مختلف الفاعلين، من مؤسسات الدولة، والجماعات الترابية، والجامعات، ووسائل الإعلام، وهيئات المجتمع المدني، من خلال حملات تحسيسية تشرح للمواطنين أهمية الضرائب ودورها في تحسين جودة الخدمات العمومية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن جهة أخرى، فإن التطبيق العادل للقانون على الجميع، دون تمييز أو استثناء، يعد من أهم عوامل نجاح أي إصلاح جبائي. فالمواطن يزداد ثقة عندما يرى أن جميع الملزمين، أفرادًا ومقاولات، يخضعون لنفس القواعد ونفس آليات المراقبة، وأن الجميع يساهم بقدر ما يفرضه القانون.
لقد جعل المغرب من إصلاح المنظومة الجبائية أحد الأوراش الاستراتيجية الكبرى، بهدف توسيع الوعاء الضريبي، وتحقيق العدالة الجبائية، وتشجيع الاستثمار، ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل، بما ينسجم مع مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة.
إن نشر ثقافة الامتثال الضريبي ليس مسؤولية الإدارة وحدها، بل هو مشروع مجتمعي يقتضي وعيًا جماعيًا بأن أداء الضرائب والتصريح بالمداخيل وفق القانون ليس عبئًا، بل مساهمة في بناء مغرب أكثر عدالة وازدهارًا، حيث يتحمل الجميع حقوقهم وواجباتهم، وتُصان المصلحة العامة، ويترسخ مبدأ المساواة أمام القانون.