محمد جمال نخيلة
تشكل القضية المرتبطة باستنزاف أموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مؤشراً مقلقاً على هشاشة بعض حلقات منظومة الحماية الاجتماعية، التي يُفترض أن تقوم على مبادئ التضامن والعدالة. فالمعطيات التي كشفتها التحقيقات لا تتعلق فقط بعملية احتيال معزولة، بل تبرز وجود نمط من الاستغلال المنظم لثغرات قانونية وإدارية، تم توظيفها بشكل ممنهج لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
الاعتماد على شركات صورية والتصريح بأجراء وهميين يكشف عن خلل عميق في آليات التحقق والمراقبة داخل النظام، حيث يبدو أن مساطر التصريح والاستفادة لم تكن مؤمنة بالقدر الكافي لمنع هذا النوع من التلاعب. الأخطر من ذلك هو الحديث عن تواطؤ محتمل داخل مؤسسة بنكية، ما يعكس تداخل أدوار عدة فاعلين في تسهيل هذا النزيف المالي، ويطرح تساؤلات حول فعالية منظومة الرقابة متعددة الأطراف.
هذه القضية تسلط الضوء أيضاً على التحديات التي تواجه تعميم الحماية الاجتماعية في المغرب، خاصة في ظل توسع قاعدة المستفيدين. فكلما اتسعت المنظومة، زادت الحاجة إلى أدوات رقمية متطورة وآليات تدقيق صارمة قادرة على كشف الأنماط غير الطبيعية، مثل التصريحات الجماعية المفاجئة أو الشركات التي لا تتوفر على نشاط فعلي.
من زاوية أخرى، فإن الأحكام القضائية الصادرة تعكس توجهاً واضحاً نحو تشديد العقوبات في جرائم المال العام، في محاولة لردع كل من تسول له نفسه العبث بمقدرات مؤسسات يفترض فيها حماية الفئات الهشة. لكنها، في الوقت ذاته، تطرح سؤال الفعالية: هل يكفي الردع القضائي وحده، أم أن المرحلة تقتضي إصلاحاً هيكلياً عميقاً يشمل الرقمنة، وربط قواعد البيانات بين الإدارات، وتعزيز آليات الافتحاص الداخلي والخارجي؟
في المحصلة، هذه “الهزة” ليست مجرد فضيحة عابرة، بل اختبار حقيقي لصلابة مشروع الحماية الاجتماعية. فإما أن تتحول إلى نقطة انطلاق لإصلاحات جذرية تعيد الثقة في المؤسسات، أو تظل مؤشراً على قابلية المنظومة للاختراق، بما يحمله ذلك من مخاطر على استدامتها وعدالتها الاجتماعية.