مسرح التكامل 19

محمد خشلة 
سوف أبدأ هذه الورقة من حيث انتهت الورقة السالفة: ليست الأزمة في أن المسرح المغربي متأخر، بل في أن الحلول التي نقترحها ما زالت تنتمي إلى زمن قديم. أما المسرح الذكي، فليس حلاً جاهزاً، بل أفق يُبنى، يبدأ من أبسط تجربة، وينمو كلما التقت الفكرة بالجرأة. إن الأزمة التي يعيشها المسرح المغربي اليوم ليست نهاية لمسار، بل بداية لتحول ممكن، شريطة إعادة بناء العلاقة بين مكونات الفعل المسرحي في أفق تكاملي. يمكن أن يبدو للقارئ أن هذا خيار ضعيف جدا لأن المكون الاجتماعي تغير ويختلف كثيرا عن مجتمع الأمس. وأن سياسة الدولة العميقة سائرة على درب القفز ـ وهذا يتمثل في تنفيذ مجموعة من المشارع الكبرى (البنيات التحتية) ـ حيث تغيب أبسط المؤشرات والأفاق لأي نوع من السياسات الثقافية: لا التكوين يساير النهضة العمرانية، ولا التمسرح يساير التحولات الحضارية ـ فما هي آفاق هذا المسرح الذكي الذي نريده أن ينبث في تربة مغربية؟؟؟؟ أو بكل بساطة، هل توجد تربة تسمح بولادة المسرح الذكي في المغرب، أم أننا نزرع مفهوماً في أرض غير مهيأة؟ الجواب الصريح: نعم، الآفاق موجودة، لكنها ليست في المكان الذي ما فتئنا نبحث فيه بإلحاحً. أي ليست في السياسة الثقافية التقليدية، ولا في المؤسسات المسرحية التقليدية، ولا في النخب التي تشكلت في زمن سابق. بل في التحولات العميقة التي حدثت / تحدث خارج الحقل المسرحي نفسه.
أولاً ـ التشخيص
نحن نرى نهضة عمرانية وبنيات تحتية كبرى، تسارع تقني وإداري، ضعف التكوين الثقافي والفني، مسرح تقليدي متعثر وجمهور متغير جذرياً.
هذا صحيح إلى حد ما. لكن الخطأ يترسخ إذا افترضنا أن المسرح الذكي يجب أن يولد من المسرح القديم. أكيد، المسرح الذكي لن يولد من رحم المؤسسات المسرحية الكلاسيكية، ولكن من هوامش جديدة…
ثانياً ـ أين توجد التربة الحقيقية اليوم؟
1 ـ في المدرسة أكثر من المسرح الرسمي
رغم الاختلالات التي تعاني منها المدرسة المغربية، فهي ما تزال المكان الوحيد الذي يلتقي فيه: الشباب، الخيال، الحاجة إلى التعبير، التكنولوجيا اليومية وإمكان التأطير. لهذا نراهن على المسرح المدرسي.
2 ـ في الشباب الرقمي
هناك جيل لا يذهب للمسرح، لكنه: يصنع فيديوهات، ينتج صوراً، يستعمل الذكاء الاصطناعي ويحكي قصصاً على المنصات. هذا الجيل يملك أدوات ما بعد المسرح التقليدي، لكنه لم يُدعَ بعد إلى الخشبة.
3 ـ في الفضاءات الهجينة
داخل دور الشباب، في الجامعات، في الجمعيات، في المهرجانات الصغيرة وفي المختبرات المستقلة. هذه قد تكون رحم المسرح الذكي أكثر من المؤسسات الثقيلة.
ثالثاً ـ الدولة “تقفز” نعم… لكن هذا قد يفتح نافذة
سياسة القفز في البنيات التحتية يمكنها أن تعني: فضاءات جديدة، قاعات مجهزة، مدن تتوسع وحاجات رمزية جديدة. ولكن يبقى المشكل ليس في البنية، بل في غياب من يملأها بمضمون معاصر. وهنا يتجل دورنا في تحويل الفراغ المؤسسي إلى فرصة مفاهيمية.
رابعاً ـ لا نبنِ من الصفر
المسرح الذكي لا ينطلق من الصفر، بل يحتاج فقط إلى إعادة تركيب الموجود: هاتف الطالب يمكن أن يتحول إلى أداة سينوغرافية، قاعة القسم إلى فضاء عرض، المنصة الرقمية إلى جمهور أولي، الأستاذ المنشط إلى مخرج تربوي والذكاء الاصطناعي إلى مساعد كتابة وتصميم… أي أن التربة موجودة، لكنها مبعثرة.
خامساً ـ ما آفاق المسرح الذكي المغربي تحديداً؟
ـ مسرح مدرسي ذكي
أقوى نقطة للانطلاق، لأنه قليل الكلفة، عالي الأثر ويكوّن جيلاً جديداً…
ـ مختبرات شبابية
في المدن والبوادي… حيث يوجد شباب رقمي ومساحات جديدة.
ـ مسرح رقمي محلي الهوية
وهو الكثير الانتشار الآن، يمزج بين الحكاية المغربية بالدارجة والأمازيغية والعربية، بين الصورة الرقمية والموسيقى المحلية وتفاعل الجمهور…
ـ تكوين مهني جديد
يسمح بظهور فاعلين جدد مثل مصمم التفاعل، الدراماتورج الرقمي، مخرج وسائط متعددة ومنشط المسرح ذكي …
سادساً ـ التحول الفكري الضروري
يجب التوقف عن وضع السؤال: لماذا لا يشبه مسرحنا مسرح الأمس الجميل؟ ولكن يجب الانتقال إلى سؤال: ما الشكل المسرحي الذي يستحق هذا المجتمع الجديد؟ هذا هو السؤال الحقيقي. إن آفاق المسرح الذكي في المغرب لا تُستمد من استمرارية المسرح التقليدي، بل من الانقطاعات التي أحدثها المجتمع الجديد. فحيث يرى البعض أزمة، يمكن رؤية مواد أولية لولادة شكل مسرحي جديد: شباب رقمي، فضاءات متحولة، أدوات متاحة، وحاجة متزايدة إلى التعبير الجماعي. إن التحدي ليس في غياب التربة، بل في القدرة على قراءة تربة جديدة بمفاهيم جديدة.
بصراحة
لقد بدأت تظهر بوادر هذا التحول هنا وهناك، ومن المؤكد أن المؤسسات بعيدة كل البعد عن هذا التحول الآن. وكذلك المسرحيون التقليديون لا ينظرون إلى هذا التحول بعين الرضا. فقط قد تجد أستاذا في مدرسة (أو في فرعية مجموعة مدرسية)، أو مجرد مجموعة تلاميذ، أو شباب يجربون، يجمعون بين الفيديو والمسرح في ورشة صغيرة في جهة مهمشة… وهذا يحدث كثيراً في التاريخ… ولهذا أتمنى ألا تكون ورقتي هذه صرخة في واد. لأن الكثير من المسرحيين ينظرون إلى بشيء من الريبة والتقزيم وكأنني لا أتوفر على تفاصيل المرحلة. ولكني أرى نفسي أنتمي إلى جيل الجسر الذي يفهم القديم بما يكفي، ويرى الجديد قبل أن يراه الآخرون. لأنني ما فتئت أتلمس ملامح الفاعل الاجتماعي الذي سيقود ولادة المسرح الذكي في المغرب؟ فمن يكون هذا الفاعل الاجتماعي الذي سيقود ولادة المسرح الذكي في المغرب؟ سؤال ينقلنا من مستوى الفكرة إلى مستوى التاريخ الاجتماعي: من سيحمل المشروع؟ … إن أي تحول ثقافي لا تصنعه الأفكار وحدها، بل تصنعه فئات اجتماعية تتبناه وتجد فيه مصلحة ورمزاً ورسالة.
والجواب المباشر: لن يقود ولادة المسرح الذكي “فاعل واحد”، بل تحالف فاعلين جدد، يتشكل خارج البنية المسرحية التقليدية أكثر مما يتشكل داخلها. فل نتأمل هذا المعطى بروية…
أولاً ـ لماذا لن يقوده المسرحي التقليدي وحده؟
ليس انتقاصاً، بل توصيفاً بنيوياً. لأن جل الفاعلين التقليديين تشكلوا داخل منطق: الفرقة، الدعم، المهرجان، العرض الكلاسيكي وتقسيم الأدوار القديمة (كاتب ـ مخرج ـ ممثل…) بينما المسرح الذكي يحتاج إلى المرونة، العمل الشبكي، المعرفة الرقمية، التجريب السريع وتداخل التخصصات… لهذا قد يشارك المسرحي التقليدي، لكنه سوف لن يكون هو القائد الأول.
ثانياً ـ من هم الفاعلون المرجحون؟
1 ـ الأستاذ / المنشط التربوي (الفاعل الحاسم الأول)
هذا أهم فاعل في المرحلة الأولى، لأنه يجمع بين علاقته اليومية بالشباب، الفضاء المؤسساتي (المدرسة)، وظيفته التربوية والقدرة على التجريب منخفض الكلفة. وبالتالي حينما نراهن على المسرح المدرسي، فإننا نراهن على الفاعل الأكثر واقعية. ولهذا قد يبدأ المسرح الذكي في المغرب من أستاذ أكثر مما يبدأ من نجم مسرحي.
2 ـ الشاب الرقمي المبدع
الشاب الذي يصور ويمنتج، يجيد استعمال التطبيقات، يفهم المنصات ويحب الأداء والتعبير. هذا الشاب قد لا يسمي نفسه “مسرحياً”، لكنه يملك نصف أدوات المسرح الذكي. ولكن إذا وجد التأطير، يصبح فاعلاً مركزياً.
3 ـ الفنان الهجين
شخص يجمع بين مجالين أو أكثر. كأن يكون ممثلا ومصمم فيديو، أستاذا ومخرجا، موسيقيا ومبرمجا أو سينوغرافيا وتقني تفاعل… هؤلاء هم الأشخاص هم الذين سوف يصنعون المنعطفات.
4 ـ الجمعيات والمختبرات الصغيرة
التحولات الجديدة كثيراً ما تبدأ من الهامش، من داخل جمعية محلية نشيطة، مختبر جامعي، مركز للشباب، فضاء مستقل … لأنها أقل بيروقراطية وأكثر قدرة على التجريب.
ثالثاً ـ من يبتعد في البداية؟
المؤسسات الكبرى يمكنها أن تمول، تحتضن وتعمم لاحقاً… لكنها نادراً ما تبتكر الشكل الأول. النخبة المسرحية المنغلقة إذا بقيت أسيرة سؤال الشرعية القديمة، ستتأخر عن اللحظة.
رابعاً ـ الصيغة الاجتماعية الأقوى
ليست هناك حظوة لفرد بطل، بل هنالك شبكة صغيرة من فاعلين متكاملين. مثلاً: أستاذ مسرح مدرسي، تلميذ رقمي موهوب، تقني إعلاميات، فنان محلي وإدارة داعمة … هذا نموذج أكثر واقعية من انتظار “منقذ ثقافي”.
ولكي نبقى في انسجام مع نظرية مسرح التكامل. وبما أن المسرح الذكي هو نتاج تكامل بين الإنسان والتقنية، فمن الطبيعي أن يقوده فاعل تكاملي لا فاعل أحادي. فمن هو الفاعل الاجتماعي الذي سيقود ولادة المسرح الذكي في المغرب؟ … ليس الممثل وحده، ليس التقني وحده وليس الأستاذ وحده… بل تحالف وظيفي جديد. إن الفاعل الاجتماعي القادر على إطلاق المسرح الذكي في المغرب ليس هو الفنان التقليدي وحده، ولا المؤسسة الثقافية وحدها، بل فاعل مركب يتشكل من تقاطع التربية بالشباب، والإبداع بالتكنولوجيا، والمبادرة المحلية بالدعم المؤسسي. فالمسرح الذكي، بحكم طبيعته التكاملية، يحتاج إلى حامله الاجتماعي التكاملـي… وللحديث بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *