الحضور القوي للمقاهي داخل تفاصيل الحياة المعاصرة.

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

تُعدّ المقاهي في المغرب أكثر من مجرد أماكن لاحتساء القهوة أو تمضية الوقت، فهي جزء من المشهد اليومي للمواطن المغربي، وفضاء تتقاطع داخله العلاقات الإنسانية والنقاشات الاجتماعية والسياسية والرياضية، حتى أصبحت في كثير من الأحيان مرآة تعكس نبض الشارع وتحولات المجتمع. فمنذ عقود طويلة، ارتبطت المقاهي بالحياة العامة، وتحولت إلى ما يشبه “برلمانات شعبية” صغيرة، يلتقي فيها الناس لتبادل الأخبار والآراء، أو للهروب المؤقت من ضغوط الحياة اليومية.
غير أن هذا الحضور القوي للمقاهي داخل تفاصيل الحياة المعاصرة يفتح بابا واسعا للنقاش حول طبيعة الدور الذي أصبحت تلعبه اليوم: هل ما تزال فضاء اجتماعيا ضروريا للتواصل والراحة النفسية؟ أم أنها تحولت تدريجيا إلى استنزاف مالي غير محسوس يثقل ميزانية الأفراد، خصوصا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة؟
لا يمكن إنكار أن المقهى يؤدي وظيفة اجتماعية ونفسية مهمة داخل المجتمع المغربي ، يجد فيها الكثير من الناس، خاصة الشباب والعمال والمتقاعدين، متنفسا يوميا يخفف عنهم ضغوط العمل أو العزلة أو الروتين القاسي للحياة بما توفره كفضاء مفتوح للحوار والتفاعل الإنساني في زمن أصبحت فيه العلاقات الاجتماعية أكثر سرعة وبرودة بفعل هيمنة العالم الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي.
ولعل ما يمنح المقهى هذه المكانة الخاصة هو سهولة الولوج إليه، مقارنة بفضاءات ترفيهية أخرى قد تكون مكلفة أو محدودة الانتشار. فالمقهى بالنسبة للبعض ليس مجرد رفاهية، بل أسلوب حياة وعادة اجتماعية متجذرة، خاصة في المدن الكبرى حيث تقل المساحات العامة المجانية المخصصة للقاءات أو الترفيه.
لكن في المقابل، يطرح هذا الاعتياد اليومي إشكالا ماليا لا يبدو واضحا في البداية، لأن الإنفاق على كوب قهوة أو مشروب بسيط قد يبدو أمرا عاديا وغير مؤثر، إلا أن تكرار هذا السلوك بشكل يومي، وربما أكثر من مرة في اليوم، يحوله مع مرور الوقت إلى مصاريف تراكمية قد تستنزف جزءا مهما من الدخل الشهري، خصوصا بالنسبة لفئات تعاني أصلا من محدودية الموارد .
فإذا افترضنا مثلا أن شخصا ينفق يوميا ما بين 20 و40 درهما داخل المقهى، فإن المبلغ الشهري قد يتجاوز أحيانا فاتورة الماء والكهرباء مجتمعتين، دون أن يشعر بذلك بشكل مباشر ، الكلفة التي تزداد حين يرتبط ارتياد المقهى بعادات إضافية مثل التدخين أو طلب الوجبات الخفيفة أو الجلوس الطويل المتكرر، وهو ما يجعل الأمر يتحول من لحظة استراحة بسيطة إلى نمط استهلاكي مستمر.
والأخطر من ذلك أن بعض الأفراد أصبحوا يعتبرون الذهاب اليومي إلى المقهى جزءا إلزاميا من الروتين، حتى وإن كانت ظروفهم المالية لا تسمح بذلك، تحت ضغط العادة أو الرغبة في مجاراة المحيط الاجتماعي ، وهنا يتحول المقهى من فضاء للراحة إلى عبء مالي صامت يتسلل تدريجيا إلى ميزانية الأسرة دون انتباه حقيقي.
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى المقاهي فقط من زاوية الاستهلاك، لأنها تمثل أيضا قطاعا اقتصاديا مهما يوفر آلاف فرص الشغل، ويساهم في تحريك التجارة والخدمات داخل الأحياء والمدن ، فالمقهى ليس مجرد طاولة وكأس قهوة، بل منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بها فئات واسعة من العمال والموردين وأصحاب المشاريع الصغيرة.
لذلك، فإن جوهر النقاش لا يتعلق بالمقهى في حد ذاته، بل بطريقة التعامل معه وحدود التوازن بين الحاجة الاجتماعية والقدرة المالية. فالمشكلة لا تكمن في ارتياد المقاهي، وإنما في الإفراط غير الواعي الذي يحول العادة اليومية إلى نزيف مالي مستمر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى نشر ثقافة التدبير المالي البسيط، وتشجيع بدائل اجتماعية وترفيهية أقل تكلفة، مثل الفضاءات العمومية والأنشطة الثقافية والرياضية واللقاءات الأسرية.
في النهاية، تبقى المقاهي جزءا أصيلا من الحياة الاجتماعية المغربية، يصعب الاستغناء عنها أو اختزال دورها في الجانب المادي فقط. لكنها، في المقابل، تحتاج إلى وعي أكبر بكيفية استهلاكها حتى لا تتحول من فضاء للتواصل والراحة النفسية إلى استنزاف مالي غير محسوس يثقل كاهل الأفراد والأسر، خاصة في زمن أصبحت فيه كل درهم له قيمته داخل ميزانية المواطن البسيط.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *