الرداءة اللغوية والإعاقة التعبيرية عند الوزارات والبرلمانيين !

حميد طولست .
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

 

من قال إن المغرب لا يصنع المعجزات؟ يكفي أن تدخل إلى البرلمان أو تتابع ندوة صحفية لأحد الوزراء حتى تكتشف أننا البلد الوحيد الذي نجح في تحويل اللغة العربية من وسيلة تواصل إلى كارثة طبيعية. لم تعد الرداءة اللغوية مجرد “زلات لسان” عابرة، بل أصبحت سياسة عمومية قائمة الذات، لها رجالها، ومصطلحاتها، وضحاياها أيضاً… أولهم المواطن المسكين الذي يدخل ليستمع إلى نقاش حول الأسعار، فيخرج وهو يشك أن العربية ليست لغته الأم.
لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها بعض المسؤولين يتعاملون مع اللغة كما يتعامل طفل مع “ليغو” مكسور: يركب الكلمات فوق بعضها دون أي علاقة منطقية، ثم ينظر إلينا بثقة المنتصر وكأنه ألقى خطاب تشرشل في الحرب العالمية الثانية، جمل تبدأ بلا سبب، وتنتهي بلا معنى، وبينهما تتدحرج أفعال مذبوحة، وفاعلون مفقودون، ومبتدآت تبحث عن خبر في أقسام المستعجلات.
أصبح البرلمان عندنا أشبه بمختبر سري لتجارب التعذيب السمعي، حيث لا تُناقش هناك القوانين، بل تُغتال اللغة على المباشر، تسمع نائباً يقول: “في إطار الدينامية الاستراتيجية للأجرأة المندمجة ذات البعد الترافعي”، فتشعر أن الرجل لا يتحدث مع الشعب، بل يحاول فتح بوابة إلكترونية لاستدعاء الجن الأزرق، أما الوزراء، فحدث ولا حرج؛ يُسألون عن البطالة، فيجيبون عن “التموقع المجالي للميكانيزمات الأفقية”، ويُسألون عن الماء، فيحدثونك عن “الإقلاع الإيكولوجي الرقمي المهيكل” ، وحين يسألهم المواطن عن الخبز، يجيبونه عن كوكب المشتري.
والأدهى أن هذه الكائنات اللغوية الهجينة تتحدث بثقة مرعبة، كأن سيبويه كان تلميذاً عندهم، أحدهم يقرأ ورقة مكتوبة أمامه بصعوبة كمن يقرأ تعويذة فرعونية لفك لعنة قديمة، والآخر يخلط بين الفاعل والمفعول كما يخلط الطباخ المستعجل بين السكر والملح، أما بعض البرلمانيين، فتشعر وأنت تستمع إليهم وكأنهم يخوضون معركة شخصية ضد علامات الترقيم وضد قواعد النحو منذ سنوات طويلة.
في الماضي، كان السياسي على الأقل يملك الحد الأدنى من الهيبة الثقافية ، حيث كان حين يقف ليتحدث تشعر أنك أمام رجل دولة، حتى وإن اختلفت معه ، أما اليوم، فبعضهم إذا أمسك الميكروفون تحوّل الأمر إلى حصة تطبيقية في “كيف تقتل اللغة في خمس دقائق دون استعمال سلاح” ، لم يعد ينقصنا سوى مترجم فوري يشرح للمغاربة ما الذي يقصده الوزراء أنفسهم.
رحم الله الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان يعتبر أن هيبة الدولة تبدأ من هيبة الخطاب ، وكان رحمه الله يدرك أن المسؤول الذي يعجز عن تركيب جملة سليمة، سيعجز حتماً عن تركيب سياسة ناجحة، لذلك كان يحرج بعض الوزراء بسبب أخطائهم اللغوية، لأن الدولة بالنسبة إليه لم تكن “دردشة واتساب” جماعية، بل مؤسسة لها وزنها ورمزيتها. أما اليوم، فيبدو أن معيار الكفاءة صار هو القدرة على قول أكبر عدد ممكن من الكلمات دون أن يفهمك أحد.
المشكلة ليست فقط في اللغة، بل فيما تكشفه اللغة من فراغ، لأن المسؤول الذي لا يستطيع التعبير عن فكرة بسيطة بوضوح، كيف سيقنع الناس بحلول لمشاكل معقدة؟ وكيف سيقود شعباً وهو عاجز حتى عن قيادة جملة نحو نهايتها الطبيعية؟
لقد ضاق البيان بما رحبت به الرداءة ، وأصبح المواطن المغربي يحتاج إلى قاموس، ومحلل نفسي، وأحياناً إلى خبير في فك الشيفرات، فقط ليفهم ماذا قال الوزير في دقيقتين من “الخراب الخطابي”. ولو بُعث سيبويه اليوم، لأغلق كتاب النحو، وطلب اللجوء السياسي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *