الجديد بريس
لم يعد التدخين مجرد عادة يمارسها عدد محدود من الأشخاص، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تثير القلق في عدد من الدول العربية، ومنها المغرب، حيث يلاحظ الكثيرون انتشار السجائر بين الشبان، كما أصبح التدخين أكثر ظهورًا بين بعض الفتيات مقارنة بما كان عليه في الماضي. ويطرح هذا الواقع أسئلة عديدة حول الأسباب التي تدفع الشباب إلى هذه العادة، وحول آثارها الصحية والاجتماعية والاقتصادية.
في الشوارع والمقاهي والجامعات والأحياء السكنية، أصبح مشهد التدخين مألوفًا إلى درجة أن البعض لم يعد يعتبره سلوكًا استثنائيًا، بل جزءًا من الحياة اليومية. ويبدأ كثير من الشباب التدخين بدافع الفضول أو تقليد الأصدقاء، بينما يعتقد آخرون أنه وسيلة للتخفيف من التوتر أو لإظهار النضج والاستقلالية، غير أن هذه الدوافع غالبًا ما تتحول مع مرور الوقت إلى إدمان يصعب التخلص منه.
وتؤكد الدراسات الطبية أن التبغ يحتوي على آلاف المواد الكيميائية، من بينها مواد سامة ومسرطنة، وأن التدخين يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين، وسرطان الرئة، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، إضافة إلى تأثيره في المناعة وصحة الفم والأسنان. كما أن التدخين لا يضر المدخن وحده، بل يعرض أفراد أسرته والمحيطين به لما يعرف بالتدخين السلبي، الذي قد يؤدي بدوره إلى مشكلات صحية خطيرة، خاصة لدى الأطفال وكبار السن.
ولا تقف أضرار التدخين عند الجانب الصحي، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي. فالمبالغ التي تُصرف يوميًا على شراء السجائر قد تتحول مع مرور الأشهر والسنوات إلى مبالغ كبيرة كان من الممكن استثمارها في التعليم، أو تطوير المهارات، أو إنشاء مشروع صغير، أو تحسين مستوى معيشة الأسرة. كما أن الأمراض المرتبطة بالتدخين تفرض تكاليف علاجية مرتفعة على الأفراد والأنظمة الصحية.
ومن بين العوامل التي تساهم في انتشار التدخين بين الشباب، تأثير الأصدقاء، والرغبة في التقليد، والضغوط النفسية، والفراغ، وضعف التوعية، إضافة إلى الصور التي تقدم التدخين أحيانًا على أنه رمز للحرية أو القوة أو الأناقة، وهي صورة بعيدة عن الحقيقة. فالإدمان على التبغ يسلب الإنسان حريته تدريجيًا، ويجعله مرتبطًا بعادة تضر بصحته وماله ومستقبله.
أما انتشار التدخين بين بعض الفتيات، فهو يثير بدوره نقاشًا اجتماعيًا واسعًا، إذ يرى مختصون أن الظاهرة ترتبط بعوامل متعددة، منها تغير أنماط الحياة، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وضغوط البيئة المحيطة. ومع ذلك، فإن مخاطر التدخين الصحية تبقى واحدة بالنسبة للجميع، رجالًا ونساءً، مع وجود مخاطر إضافية قد تؤثر في صحة المرأة خلال الحمل والإنجاب.
ويجمع الأطباء على أن أفضل وقت للإقلاع عن التدخين هو اليوم قبل الغد، لأن الجسم يبدأ في التعافي تدريجيًا بعد التوقف عن التدخين، وتنخفض مخاطر الإصابة بعدد من الأمراض مع مرور الوقت. كما أن الدعم الأسري، والمرافقة الطبية، والإرادة الشخصية، كلها عوامل تساعد على النجاح في الإقلاع عن هذه العادة.
إن مواجهة انتشار السجائر بين الشبان والفتيات مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة التي تغرس القيم والسلوكيات الصحية، وتمر عبر المدرسة التي تنشر ثقافة الوقاية، ووسائل الإعلام التي تقدم رسائل توعوية، والمؤسسات الصحية التي توفر برامج المساعدة على الإقلاع عن التدخين، وصولًا إلى المجتمع بأكمله الذي ينبغي أن يشجع أسلوب حياة صحي قائم على الرياضة والثقافة والعمل والإبداع.
إن مستقبل أي أمة لا يُبنى بالدخان، بل يُبنى بعقول سليمة وأجساد معافاة وشباب يمتلك الطموح والإرادة. فكل سيجارة يتم تجنبها اليوم هي خطوة نحو مجتمع أكثر صحة، وأكثر إنتاجًا، وأكثر قدرة على بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.