حين يتحول الفعل المدني من رسالة مجتمعية إلى مجرد واجهة إعلامية
في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي، أصبح العمل الجمعوي واحداً من أهم الآليات التي تساهم في التأطير والتوعية والتنمية المحلية، خاصة في صفوف الأطفال والشباب. غير أن هذا المجال، الذي يفترض أن يكون فضاءً للإبداع وخدمة المجتمع، بدأ في السنوات الأخيرة يعرف مجموعة من المظاهر التي أثارت نقاشاً واسعاً بين الفاعلين المدنيين والمهتمين بالشأن التربوي والتنموي.
وفي هذا السياق، أكد الفاعل الجمعوي والقيادي الكشفي Taoufik Farah أن جزءاً مهماً من العمل الجمعوي اليوم أصبح عند بعض الجمعيات مرتبطاً بمنطق “الواجهة” أكثر من ارتباطه بمنطق “الأثر الحقيقي”، حيث يتم التركيز على الشعارات الرنانة والعناوين الجاهزة التي يتم نقلها حرفياً من مؤسسات أو جمعيات أخرى، دون مراعاة خصوصية البيئة المحلية أو الحاجات الفعلية للفئات المستهدفة.
ويرى المتحدث أن هذا التقليد المتكرر جعل عدداً من الأنشطة الجمعوية تبدو متشابهة ومفتقدة للهوية، إذ أصبحت بعض المبادرات تعتمد على ما هو “رائج” في مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من اعتمادها على تشخيص ميداني حقيقي لانتظارات الأطفال والشباب والساكنة المحلية. وهو ما يفرغ العمل المدني من جوهره التربوي والتنموي، ويجعله أقرب إلى مناسبات موسمية هدفها الظهور الإعلامي وتحقيق “البوز”.
وأشار إلى أن العمل الجمعوي الحقيقي لا يقاس بعدد الصور المنشورة أو بجمالية الشعارات والملصقات، بل يقاس بمدى تأثيره الإيجابي داخل المجتمع، وقدرته على إحداث تغيير ملموس ومستدام. فالجمعية الناجحة، حسب تعبيره، هي التي تنطلق من الواقع الميداني، وتقوم بتشخيص دقيق لحاجات الفئات المستهدفة، ثم تضع برامج تتلاءم مع الثقافة المحلية والإمكانات المتوفرة، مع الحرص على بناء مشروع تربوي وتنموي يترك أثراً حقيقياً في المجتمع.
وأضاف أن العديد من المبادرات تفقد قيمتها حين تتحول إلى نسخ متكررة لتجارب أخرى دون روح إبداعية أو اجتهاد محلي، مؤكداً أن المجتمعات لا تتطور بمنطق “النسخ واللصق”، وإنما بالأفكار التي تنبع من معاناة الناس ومن تطلعاتهم اليومية. فلكل منطقة خصوصياتها الاجتماعية والثقافية، ولكل فئة شبابية احتياجات مختلفة، وهو ما يفرض على الفاعل المدني أن يكون قريباً من الميدان لا من “الترند”.
كما شدد على أن الفاعل الجمعوي الناجح هو من يصنع هويته الخاصة ويمنح لكل نشاط رسالة واضحة وأهدافاً دقيقة، بدل الاكتفاء بتكرار عناوين مستهلكة فقط لأنها استُعملت من طرف مؤسسة معينة أو لاقت انتشاراً على المنصات الرقمية.
ويعتبر متابعون للشأن الجمعوي أن هذا النقاش يطرح اليوم ضرورة إعادة الاعتبار لفلسفة العمل المدني القائم على التطوع والمسؤولية المجتمعية، وربط البرامج بحاجات المواطنين الحقيقية، بدل الارتهان لمنطق الاستعراض الرقمي الذي قد يمنح انتشاراً مؤقتاً، لكنه لا يصنع تنمية حقيقية ولا يترك أثراً دائماً داخل المجتمع.
القائد العام لجمعية الإشراق للتنمية المستدامة الكشفية