القمار والمراهنات في المغرب ظاهرة تتوسع وكرة القدم بين الحلال والحرام 

الجديد بريس

 

في السنوات الأخيرة، أصبح من السهل ملاحظة الانتشار الكبير للمراهنات الرياضية والقمار في المغرب. فبعدما كانت هذه الظاهرة محدودة، أصبحت اليوم حاضرة في عدد كبير من المدن والأحياء، سواء عبر محلات المراهنات أو من خلال التطبيقات والمواقع الإلكترونية التي يمكن الوصول إليها في أي وقت بواسطة الهاتف المحمول.

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الإقبال لم يعد يقتصر على فئة معينة، بل امتد إلى الشباب الصغار، والطلبة، والعاطلين عن العمل، وحتى بعض الموظفين. كثير منهم يدخل عالم المراهنات بدافع تجربة الحظ أو تحقيق ربح سريع، لكن الواقع يكون مختلفًا في أغلب الأحيان، حيث تتحول الرغبة في الربح إلى خسائر متتالية قد تؤدي إلى الإدمان.

مع كل مباراة كبيرة، وخاصة مباريات المنتخب المغربي، تمتلئ محلات المراهنات بالزبائن، كما ترتفع عمليات المراهنة عبر الإنترنت بشكل ملحوظ. ويصبح تشجيع كرة القدم عند البعض مرتبطًا بقيمة الرهان أكثر من ارتباطه بحب الرياضة نفسها.

اقتصاديًا، يخسر عدد من الأسر مبالغ مالية مهمة بسبب المراهنات. فهناك من يراهن بجزء من راتبه، وهناك من يقترض المال أملاً في تعويض خسائره، ليجد نفسه غارقًا في دوامة من الديون والضغوط النفسية. وفي حالات كثيرة، تسبب القمار في خلافات أسرية، وتفكك بعض العلاقات، وفقدان الثقة داخل الأسرة.

أما اجتماعيًا، فإن انتشار القمار يزرع ثقافة الربح السريع بدل ثقافة العمل والاجتهاد. فالشاب الذي يؤمن بأن ضغطة زر قد تغير حياته قد يفقد الحافز للتعلم أو البحث عن عمل أو تطوير مهاراته، ويصبح معتمدًا على الحظ بدل السعي والإنتاج.

وفي الجانب الديني، فإن الموقف واضح لدى جمهور علماء المسلمين، إذ يعد القمار والميسر من الأمور المحرمة. وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ولذلك يرى العلماء أن المراهنات التي تعتمد على دفع المال مقابل احتمال الربح أو الخسارة تدخل في باب الميسر المحرم.

وفي المقابل، تبقى كرة القدم في حد ذاتها رياضة مباحة، بل يمكن أن تكون وسيلة للتربية، وتقوية الصحة، ونشر روح المنافسة الشريفة، وجمع الناس على التشجيع والانتماء الوطني. لكن عندما تتحول إلى وسيلة للمقامرة والمراهنات المالية، فإنها تخرج عن هدفها الرياضي لتصبح بابًا للمخاطر الاجتماعية والاقتصادية والدينية.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على القوانين فقط، بل تحتاج إلى دور الأسرة، والمدرسة، والمسجد، ووسائل الإعلام، والجمعيات المدنية. كما أن نشر الوعي بين الشباب حول مخاطر الإدمان على القمار أصبح ضرورة ملحة في ظل الانتشار السريع للتطبيقات الإلكترونية التي تستهدف مختلف الفئات.

إن المغرب يزخر بطاقات شبابية كبيرة تستحق أن تُستثمر في التعليم، والابتكار، والرياضة، وريادة الأعمال، لا في المراهنات التي قد تمنح ربحًا عابرًا، لكنها في كثير من الأحيان تترك وراءها خسائر مادية ونفسية واجتماعية يصعب تعويضها.

ويبقى السؤال مطروحًا: هل نريد كرة قدم تجمع المغاربة على الفرح والروح الرياضية، أم كرة قدم تتحول إلى وسيلة للمقامرة وإضاعة الأموال؟ إن الجواب يبدأ من وعي المجتمع، ومن مسؤولية كل فرد في اختيار الطريق الذي يحفظ ماله ومستقبله وقيمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *